وخروج المنيّ بالنّسبة للمرأة هو بروزه إلى محلّ استنجائها ، وهو ما يظهر منها عند جلوسها لقضاء حاجتها وهذا ما قال به المالكيّة خلافاً لسند ، وهو قول الشّافعيّة بالنّسبة للثّيّب ، وقالوا بالنّسبة للبكر لو أنزلت المنيّ إلى فرجها لم يلزمها الغسل حتّى يخرج من فرجها ، لأنّ داخل فرجها في حكم الباطن ، ولهذا لا يلزمها تطهيره في الاستنجاء والغسل ، فأشبه إحليل الذّكر . ولم يفرّق الحنفيّة بين بكر وثيّب بل هي تجنب عندهم ولو لم يصل المنيّ إلى ظاهر فرجها . قالوا : لأنّ له داخلاً وخارجاً والخارج منهما له حكم الظّاهر .
ومن أحسّ بانتقال المنيّ عند الشّهوة فأمسك ذكره فلم يخرج المنيّ فلا يعتبر جنباً عند الجمهور ، وهو ظاهر قول الخرقيّ من الحنابلة وإحدى الرّوايتين عن أحمد ، والمشهور عند أحمد أنّه يعتبر جنباً ويجب عليه الغسل ، وأنكر أن يكون الماء يرجع ، ولم يذكر القاضي خلافاً في وجوب الغسل قال : لأنّ الجنابة تباعد الماء عن محلّه ، وقد وجد ، فتكون الجنابة موجودة فيجب الغسل بها ، ولأنّ الغسل تراعى فيه الشّهوة وقد حصلت بانتقاله فأشبه ما لو ظهر . واستدلّ ابن قدامة على عدم وجود الجنابة لعدم خروج المنيّ ، بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّق الاغتسال على الرّؤية وفضخه بقوله : « إذا رأت الماء » « و إذا فضخت الماء فاغتسل » فلا يثبت الحكم بدونه ، ولا يجوز أن يسمّى جنباً لمجانبته الماء ، ولا يحصل إلاّ بخروجه منه .
وكلام أحمد إنّما يدلّ على أنّ الماء إذا انتقل لزم منه الخروج وإنّما يتأخّر . ويعتبر جنباً من انتقل منيّه من محلّه بشهوة وخرج لا عن شهوة عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي حنيفة ومحمّد خلافاً لأبي يوسف ، إذ المعتبر عنده هو الانفصال مع الخروج عن شهوة .
ما ترتفع به الجنابة :
8 - سبق بيان أنّ الجنابة تكون بالجماع ولو بدون إنزال أو بخروج المنيّ من غير جماع على التّفصيل السّابق ، وترتفع الجنابة بما يأتي :
أ - بالغسل ، والدّليل على وجوب الغسل من الجماع ولو من غير إنزال قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا جلس بين شعبها الأربع ومسّ الختان الختان فقد وجب الغسل » متّفق عليه وزاد مسلم : « وإن لم ينزل » . والمراد بالتقاء الختانين تغييب الحشفة في الفرج ، وهذا باتّفاق المذاهب الأربعة ، قال النّوويّ : وبهذا قال جمهور العلماء من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم ، وكان الحكم على خلاف ذلك فنسخ كما قال النّوويّ وابن قدامة ، والآثار الّتي رويت عن الصّحابة قالوها قبل أن يبلغهم النّسخ ، قال سهل بن سعد السّاعديّ حدّثني أبيّ بن كعب أنّ « الماء من الماء » كان رخصة أرخص فيها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ نهى عنها . وينظر تفصيل ذلك في ( غسل ) .
والدّليل على وجوب الغسل بنزول المنيّ من غير جماع ما روته أمّ سلمة رضي الله عنها قالت : « جاءت أمّ سليم امرأة أبي طلحة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه : إنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت . قال : نعم إذا رأت الماء » .
9 - ب - التّيمّم : اختلف الفقهاء في أنّ التّيمّم هل هو رافع للجنابة ، أو غير رافع لها ؟ ومع اختلاف الفقهاء في ذلك إلاّ أنّهم متّفقون في الجملة على أنّ التّيمّم يباح به ما يباح بالغسل من الجنابة .
فذهب الحنفيّة وبعض المالكيّة وبعض الشّافعيّة وابن تيميّة وهو رواية عن أحمد واختارها ابن الجوزيّ إلى أنّ التّيمّم يرفع الحدث ، لأنّه بدل مطلق عن الماء ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ الصّعيد الطّيّب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليمسّه بشرته فإنّ ذلك خير » فقد سمّى التّيمّم وضوءا ، والوضوء مزيل للحدث ، وقال صلى الله عليه وسلم : « جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً » ، والطّهور اسم للمطهّر فدلّ على أنّ الحدث يزول بالتّيمّم ، إلاّ أنّ زواله مؤقّت إلى غاية وجود الماء ، فإذا وجد الماء يعود الحدث السّابق ، ولكن في المستقبل لا في الماضي ، فلم يظهر في حقّ الصّلاة المؤدّاة ، ولهذا يجوز التّيمّم قبل دخول الوقت عند الحنفيّة ، وقال القرافيّ : الحدث هو المنع الشّرعيّ من الصّلاة ، وهذا الحدث الّذي هو المنع متعلّق بالمكلّف ، وهو بالتّيمّم قد أبيحت له الصّلاة إجماعاً وارتفع المنع إجماعاً ، لأنّه لا منع مع الإباحة فإنّهما ضدّان والضّدّان لا يجتمعان ، وإذا كانت الإباحة ثابتة قطعا ، والمنع مرتفع قطعا كان التّيمّم رافعاً للحدث قطعاً . والمشهور عند المالكيّة والصّحيح عند الشّافعيّة وعند الحنابلة - غير من ذكر - أنّ التّيمّم لا يرفع الحدث ، لأنّه بدل ضروريّ ، أو طهارة ضرورة ، ولما روى عمران بن حصين « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلّى ثمّ رأى رجلاً معتزلاً لم يصلّ مع القوم فقال : يا فلان ما منعك أن تصلّي مع القوم ؟ فقال : يا رسول اللّه أصابتني جنابة ولا ماء فقال : عليك بالصّعيد فإنّه يكفيك ، فلمّا حضر الماء أعطى النّبيّ صلى الله عليه وسلم هذا الرّجل إناء من ماء فقال اغتسل به » . وحديث « عمرو بن العاص حين تيمّم وهو جنب وصلّى بالنّاس فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم : صلّيت بأصحابك وأنت جنب » .