تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36 - لا يعلم خلاف بين الفقهاء في أنّ تأخير الصّلاة عن وقتها بدون عذرٍ ذنب عظيم ، لا يرفع إلاّ بالتّوبة والنّدم على ما فرّط من العبد ، وقد سمّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك بأنّه مفرّط أي مقصّر ، حيث قال : « ليس التّفريط في النّوم ، إنّما التّفريط في اليقظة ». 37 - أمّا تأخيرها بعذر النّسيان ، فلا نعلم خلافاً بين الفقهاء أيضاً في أنّ العبد غير مؤاخذٍ على هذا التّأخير لقوله صلى الله عليه وسلم : « رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » .

38 - وأمّا تأخيرها بعذر النّوم ، فالّذي يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم : « ليس في النّوم تفريط ، إنّما التّفريط في اليقظة ، فإذا نسي أحدكم صلاةً أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها » .

إنّ النّوم الّذي يترتّب عليه تأخير الصّلاة عن وقتها لا يؤاخذ عليه العبد ، ولا يعتبر مفرّطاً ، وقد نام النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصّبح في حديث التّعريس عن أبي قتادة قال

: « سرنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ليلةً ، فقال بعضُ القوم : لو عَرَّسْتَ بنا يا رسول اللّه ، قال : أخافُ أن تناموا عن الصّلاةِ ، قال بلالٌ : أنا أوقظكم ، فاضطجعوا ، وأسندَ بلالٌ ظهره إلى راحلته ، فغلبته عيناه فنامَ ، فاستيقظ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشّمسِ فقال : يا بلال أينَ ما قلتَ ؟ فقال : ما أُلقيتْ عليّ نومة مثلها قطّ ، قال : إنّ اللّه قبضَ أرواحَكم حين شاء ، وردَّها عليكم حين شاء ، يا بلال قم فأذّن النّاس بالصّلاة ، فتوضّأ ، فلمّا ارتفعت الشّمسُ ، وابياضّت ، قام فصلّى بالنّاس » غير أنّه يفهم من هذا الحديث أنّه إذا غلب على ظنّه أنّه لو نام تفوته الصّلاة يكلّف أحداً بإيقاظه ، وهو ما يفهم من مذهب الحنفيّة والمالكيّة .

وقد قال الحنفيّة : إنّه يكره النّوم قبل صلاة العشاء ، وهو مذهب مالكٍ والشّافعيّة وأحمد ، لحديث « أنّه صلى الله عليه وسلم كان يكره النّوم قبلها والحديث بعدها » .

وفي قولٍ للشّافعيّة يكره النّوم قبل الصّلاة في جميع الأوقات ، والظّاهر عندهم كراهة النّوم بعد دخول الوقت ، أمّا قبل دخوله فجائز عندهم .

39 - أمّا تأخير الصّلاة عن وقتها ، أو تقديمها بعذر السّفر أو المطر ، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الجمع بعذر السّفر أو المطر لما رواه الشّيخان عن ابن عمر قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا عجّل به السّير في السّفر يؤخّر المغرب حتّى يجمع بينها وبين العشاء » . وروى الشّيخان عن أنس بن مالكٍ قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشّمس - أي قبل أن تزول الشّمس عن وسط السّماء - أَخّر الظّهرَ إلى وقتِ العصرِ ، ثمّ نزل ، فجمع بينهما ، فإن زاغت الشّمسُ قبل أن يَرْتَحل صلّى الظّهر ثمّ ركب » . دلّ الحديث الأوّل على أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا كان مسافراً ، وأسرع في السّير ، ليصل إلى غرضه في الوقت المناسب ، أخّر المغرب حتّى يجمع بينها وبين العشاء . ودلّ الحديث الثّاني على أنّه صلى الله عليه وسلم إذا ابتدأ السّفر قبل دخول وقت الظّهر ، أخّر الظّهر وجمع بينها وبين العصر ، وإذا ابتدأ السّفر قبل دخول وقت الظّهر ، صلّاها ثمّ سافر ، ولم يجمع بينها وبين العصر ، ويستدلّ للجمهور أيضاً بالأحاديث الواردة في الجمع بين الصّلاتين للسّفر وغيره .

وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يجوز ذلك إلاّ في عرفة ومزدلفة ، في اليوم التّاسع من ذي الحجّة ، فيجمع الإمام بين الظّهر والعصر جمع تقديمٍ ، بأن يصلّي الظّهر والعصر في وقت الظّهر بعرفاتٍ ، ويجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخيرٍ بمزدلفة فيصلّي المغرب والعشاء في وقت العشاء . واشترط أبو حنيفة لجواز هذا الجمع : أن يكون محرماً بحجٍّ لا عمرةٍ ، وأن تكون هذه الصّلاة بجماعةٍ ، وأن يكون الإمام في جمع عرفة هو السّلطان أو نائبه .

ولم يشترط أبو يوسف ومحمّد - صاحبا أبي حنيفة - أن تكون الصّلاة بجماعةٍ ، وأجازوا للمحرم بحجٍّ أن يصلّي صلاة الجمع ولو كان منفرداً ، أمّا الجمع في مزدلفة فلا يشترط فيه غير الإحرام والمكان ، وهو مزدلفة .

40 - وقد تضمّن مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة أمرين :

الأوّل : أنّه يجوز الجمع في عرفة ومزدلفة بالشّروط السّابقة .

الثّاني : لا يجوز الجمع في غير ذلك بعذر سفرٍ أو مطرٍ .

أمّا الأمر الأوّل فدليله : أنّ الّذين رَوَوْا نسك النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حجّه ، اتّفقوا على أنّه كان يجمع هذا الجمع المذكور .

وأمّا الأمر الثّاني - وهو أنّه لا يجوز الجمع في غير عرفة ومزدلفة بعذر سفرٍ أو مطرٍ - فدليله : أنّ الصّلوات المفروضة عرفت مؤقّتةً بأوقاتها بالدّلائل المقطوع بها من الكتاب والسّنّة المتواترة والإجماع ، فلا يجوز تغييرها عن أوقاتها بنوعٍ من الاستدلال وخبر الواحد ، والسّفر أو المطر لا أثر لهما في تأخير الصّلاة عن وقتها أو تقديمها عن وقتها .

من لم يجد بعض الأوقات الخمسة

41 - اختلف علماء الحنفيّة فيمن لم يجد بعض الأوقات الخمسة ، كسكّان المناطق القطبيّة ، فإنّ هذه المناطق تستمرّ في نهارٍ دائمٍ ستّة أشهرٍ ، وفي ليلٍ دائمٍ ستّة أشهرٍ أخرى ، كما يقول الجغرافيّون ، فهل يجب على سكّان هذه المناطق - إن كانوا مسلمين - أن يصلّوا الصّلوات الّتي لم يجدوا وقتاً لها ، بأن يقدّروا لكلّ صلاةٍ وقتاً أو تسقط عنهم هذه الصّلوات ؟ . وكذلك في بعض البلاد القريبة من المناطق القطبيّة ، تأتي فيها فترات لا يوجد وقت العشاء ، أو يطلع الفجر بعد مغيب الشّفق مباشرةً .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٧٧