تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال متأخّرو فقهاء الحنفيّة : يكره له الجلوس في بيته حتّى يأتي إليه من يعزّي ، بل إذا فرغ ، ورجع النّاس من الدّفن فليتفرّقوا ويشتغل النّاس بأمورهم ، وصاحب البيت بأمره . وإلى الكراهة ذهب الشّافعيّة والحنابلة في المذهب ، والكراهة عند الشّافعيّة تنزيهيّة إن لم يكن معها محدث آخر . ونقل عن أحمد : الرّخصة لأهل الميّت .

أمّا الجلوس على باب دار الميّت : فصرّح الحنفيّة بأنّه مكروه ، لأنّه عمل أهل الجاهليّة وقد نهي عنه . وصرّح الحنابلة بجوازه حيث قالوا : لا بأس بالجلوس بقرب دار الميّت ليتّبع الجنازة ، أو يخرج وليّه فيعزّيه ، لأنّه فعله السّلف . وانظر مصطلح : ( تعزية ) .

الجلوس على القبور :

22 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الجلوس على القبور إذا كان لبول أو غائط فلا يجوز قولا واحداً . واختلفوا فيما إذا كان لغير ذلك .

فقال الحنفيّة وهو المذهب عندهم ، والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يكره الجلوس على القبور ، لما روى أبو مرثد الغنويّ " أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا تجلسوا على القبور ، ولا تصلّوا إليها » .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر » .

قال الحنفيّة والشّافعيّة : وإن أراد الجلوس أثناء زيارة القبور يجلس بعيداً أو قريباً بحسب مرتبته في حال حياته . وعبارة الشّافعيّة : ينبغي للزّائر أن يدنو من القبر بقدر ما كان يدنو من صاحبه في الحياة لو زاره .

ويرى الطّحاويّ من الحنفيّة ، ونسب القول إلى أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد جواز الجلوس على القبر ، وهو ما ذهب إليه المالكيّة أيضاً ، لما روي أنّ عليّاً رضي الله عنه كان يتوسّد القبر ، ويجلس عليه .قال الطّحاويّ : وتنتفي الكراهة مطلقاً إذا كان الجلوس للقراءة.

الجلوس في المسجد للقضاء :

23 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة في الصّحيح من المذهب ، والحنابلة إلى جواز جلوس القاضي في المسجد للحكم ، والجامع أولى ، لأنّه أشهر ، ويختار مسجداً في وسط البلد ، لئلاّ يبعد على قاصديه . والدّليل على ذلك أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « كان يفصل بين الخصوم في المسجد » ، فقد روي أنّه عليه الصلاة والسلام قال : « إنّما بنيت المساجد لذكر اللّه وللحكم » ولئلاّ يشتبه على الغرباء مكانه .

وكذا الخلفاء الرّاشدون بعده ، وكان عليّ رضي الله تعالى عنه له دكّة في مسجد الكوفة .

وصرّح المالكيّة بأنّه إذا جلس للقضاء في المسجد ، فإنّه يجلس بغير يوم عيد فطر أو أضحى ، ويكره جلوسه يوم عيد ، لأنّه يوم فرح وسرور ، ومصافاة لا يوم مخاصمة .

وبغير يوم قدوم الحاجّ وخروجه ، لاشتغال النّاس فيه بتهنئة القادمين ، أو وداع الخارجين ، وبغير يوم التّروية ويوم عرفة . وروى ابن حبيب من المالكيّة أنّ القاضي يجلس برحاب المسجد الخارجة عنه واستحسن صاحب جواهر الإكليل هذا ، مستدلّا بقوله صلى الله عليه وسلم : « جنّبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم » .

ويستحبّ عند الشّافعيّة أن يجلس القاضي في دار لا في مسجد ، فيكره عندهم اتّخاذه مجلسا للحكم في الأصحّ ، صوناً له عن ارتفاع الأصوات ، واللّغط الواقعين بمجلس القضاء عادة ، ولأنّ القضاء قد يحضره مشرك وهو نجس بالنّصّ .

وذكر الفقهاء لجلوس القاضي آداباً كثيرة منها :

- أن يكون مجلسه فسيحاً ، واسعاً لئلاّ يتأذّى بضيقه الحاضرون .

- وأن يكون بارزاً ، ظاهراً ، ليعرف القاضي من يراه .

- وأن يكون مصوناً من أذى حرّ وبرد وريح وغبار ودخان ، لائقاً بالوقت من صيف وشتاء. - وأن يبسط له شيء ، ولا يجلس على التّراب ولا على الحصير ، لأنّ ذلك يذهب بهيبته من أعين الخصوم .

وفي الجلوس بين يدي القاضي ، والعدل بين الخصم في مجلسه تفصيل ينظر في ( قضاء ) .

حدّ المرأة وهي جالسة :

24 - ذهب الحنفيّة - ما عدا أبا يوسف - والمالكيّة والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّ المرأة تضرب في جميع الحدود الّتي فيها الضّرب جالسة ، لما روي عن عليّ رضي الله تعالى عنه أنّه قال : تضرب المرأة جالسة ، والرّجل قائماً ، ولأنّ المرأة عورة ، وجلوسها أستر لها . ويرى أبو يوسف وابن أبي ليلى أنّها تحدّ قائمة ، كما تلاعن .

وأمّا الرّجل فلم يقل بضربه جالساً في الحدود إلاّ المالكيّة والحنابلة في رواية ، لأنّ اللّه تعالى لم يأمر بالقيام ، ولأنّه مجلود في حدّ ، فأشبه المرأة .

الجلوس للتّبوّل :

25 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يستحبّ الجلوس أثناء التّبوّل لئلاّ يترشّش عليه ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : من الجفاء أن تبول وأنت قائم .

وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : « من حدّثكم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدّقوه ، ما كان يبول إلاّ قاعداً » .

وقال التّرمذيّ : هذا أصحّ شيء في الباب ، وقال النّوويّ في شرح مسلم : وقد روي في النّهي أحاديث لا تثبت ، ولكن حديث عائشة رضي الله عنها ثابت ، فلذا قال العلماء يكره إلاّ لعذر . وهي كراهة تنزيه لا تحريم . وقد رويت الرّخصة في ذلك عن عمر وعليّ وابن عمر وزيد بن ثابت وسهل بن سعد ، وأنس وأبي هريرة وعروة .

وروى حذيفة « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً » ، رواه البخاريّ وغيره . وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح : ( قضاء الحاجة ) .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٧٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٧٥٨