وفي لفظ مسلم « صلاة الرّجل قاعداً نصف الصّلاة » .
ولأنّ كثيراً من النّاس يشقّ عليهم طول القيام ، فلو وجب في التّطوّع لترك أكثره ، فسامح الشّارع في ترك القيام فيه ترغيباً في تكثيره ، كما سامح في فعله على الرّاحلة في السّفر .
وأمّا السّنن الرّواتب فقد صرّح بعض الفقهاء أنّ الجلوس فيها مع القدرة على القيام مكروه .
الجلوس بين السّجدتين :
11 - ذهب المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّه ركن ، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السّجدة لم يسجد حتّى يستوي جالساً » . وقال أبو يوسف من الحنفيّة بفرضيّته .
وهو سنّة عند الحنفيّة في المشهور من المذهب ، وروي وجوبه . يقول ابن عابدين : وهو الموافق للأدلّة ، وعليه الكمال بن الهمام ومن بعده من المتأخّرين .
وصفة الجلوس بين السّجدتين عند الشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف الافتراش .
وعند المالكيّة التّورّك كجلوس التّشهّد ، ولا خلاف في وضع اليدين على الفخذين عند الجميع ، لأنّه من تمام صفة الجلوس . وفي التّعديل في الجلسة بين السّجدتين ، وكذلك في الذّكر المسنون فيها وقدره خلاف وتفصيل يرجع إلى مصطلح : ( تعديل ) ( ودعاء ) .
جلسة الاستراحة :
12 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو مقابل الأصحّ لدى الشّافعيّة ، والصّحيح من المذهب لدى الحنابلة إلى أنّ المصلّي إذا قام من السّجدة الثّانية لا يجلس جلسة الاستراحة ، ويكره فعلها تنزيهاً لمن ليس به عذر .
وروي ذلك عن عمر وعليّ وابن مسعود ، وابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم ، وبه قال الثّوريّ وإسحاق ، قال التّرمذيّ : وعليه العمل عند أهل العلم ،وقال أبو الزّناد : تلك السّنّة.
ويرى الشّافعيّة في الأصحّ وهو رواية ثانية عن أحمد اختارها الخلّال أنّه يسنّ بعد السّجدة الثّانية جلسة للاستراحة في كلّ ركعة تقوم عنها ، لما روى مالك بن الحويرث : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يجلس إذا رفع رأسه من السّجود قبل أن ينهض في الرّكعة الأولى » . وصفة الجلوس هنا كالجلوس بين السّجدتين قدراً وهيئة ، ويكره تطويله ، وهذا يخالف قول الرّافعيّ : " أنّها خفيفة " وقول النّوويّ في مجموعه " أنّها خفيفة جدّاً " .
ثمّ قطع الرّافعيّ : بأنّها للفصل بين الرّكعتين ، وحكى النّوويّ وجهاً أنّها : من الثّانية ، وهناك وجه ثالث أبداه صاحب الذّخائر وهو : أنّها من الرّكعة الأولى .
ومن خصائص جلسة الاستراحة عند من يقول بها - أنّها لا يدعو فيها بشيء .
الجلوس في التّشهّد :
13 - ذهب المالكيّة ، والشّافعيّة ، والطّحاويّ والكرخيّ من الحنفيّة ، وهو وجه عند الحنابلة إلى أنّ الجلوس في التّشهّد الأوّل سنّة ، لأنّه يسقط بالسّهو فأشبه السّنن .
وفي قول عند الحنفيّة وهو المذهب عند الحنابلة أنّه واجب حتّى يجب بتركه ساهيا سجود السّهو ، ولا يجب إلاّ بترك الواجب .
وأمّا في التّشهّد الأخير ، فيرى الحنفيّة أنّ الجلوس فيه فرض ، وقدره بقدر قراءة التّشهّد إلى " عبده ورسوله " ، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود : « فإذا فعلت ذلك ، أو قضيت هذا فقد تمّت صلاتك » علّق التّمام بالقعدة .
ويرى المالكيّة أنّ الجلوس للتّشهّدين سنّة ، قال ابن جزيّ : وفي المذهب أنّ الجلوس الأخير واجب ، والأصحّ أنّ الواجب منه مقدار السّلام .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الجلوس في القعدة الأخيرة ركن ، وإليه ذهب عمر وابنه وأبو مسعود البدريّ رضي الله عنهم ، والحسن . وروي عن أحمد أنّه سنّة .
وأمّا هيئة الجلوس في التّشهّد فالافتراش للرّجل ، والتّورّك للمرأة عند الحنفيّة سواء أكان في القعدة الأولى أم الأخيرة . وعند المالكيّة هيئة الجلوس في التّشهّد الأخير التّورّك . وصرّح الشّافعيّة بأنّه لا يتعيّن للقعود هيئة للإجزاء ، فكيفما قعد في جلساته أجزأه ، لكنّ السّنّة في جلوس آخر الصّلاة التّورّك وفي أثنائها الافتراش .
ويرى الحنابلة أنّ هيئة الجلوس في التّشهّد الأوّل بالنّسبة للرّجل هي الافتراش ، وفي الثّاني التّورّك .
وأمّا المرأة فلها الخيار في أن تجلس متربّعة ، لأنّ ابن عمر رضي الله عنه كان يأمر النّساء أن يتربّعن في الصّلاة ، أو أن تسدل رجليها فتجعلهما في جانب يمينها ، والمنصوص عن أحمد : أنّ السّدل أفضل ، لأنّه غالب فعل عائشة رضي الله عنها ، ولأنّه أشبه بجلسة الرّجل.
وقال الشّافعيّة يسنّ التّورّك في كلّ تشهّد يسلّم فيه وإن لم يكن ثانياً ، كتشهّد الصّبح والجمعة ، لأنّه تشهّد يسنّ تطويله فسنّ فيه التّورّك كالثّاني .
ولا يتورّك الرّجل عند الحنابلة إلاّ في التّشهّد الأخير من صلاة فيها تشهّدان .
واستدلّ الحنابلة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول : « في كلّ ركعتين : التّحيّة ، وكان يفرش رجله اليسرى ، وينصب رجله اليمنى » ، ولأنّ التّشهّد الثّاني إنّما تورّك فيه للفرق بين التّشهّدين ، وما ليس فيه إلاّ تشهّد واحد لا اشتباه فيه ، فلا حاجة إلى الفرق .
الجلوس بين كلّ ترويحتين في قيام رمضان :
14 - صرّح الحنفيّة بأنّ المصلّي يخيّر بين كلّ ترويحتين بين الجلوس ذاكراً أو ساكتاً ، وبين صلاته نافلة منفرداً ، وهذا الجلوس سنّة كما يفيده كلام الكنز ، ومستحبّ كما صرّح به في الهداية والزّيلعيّ .