تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمراد بقبر الموتى في الحديث صلاة الجنازة ، لا الدّفن ، فإنّ الدّفن في هذه الأوقات غير مكروهٍ . وعن مالكٍ روايتان : إحداهما إباحة السّنن في هذه الأوقات ، إلاّ تحيّة المسجد فإنّها مكروهة عنده ، والثّانية : كراهة السّنن مطلقاً في هذه الأوقات .

وحجّته على الرّواية الأوّل : أنّه ورد في هذا الموضوع دليلان متعارضان يمكن الجمع بينهما أحدهما : حديث عقبة المارّ ذكره ، والّذي يدلّ على كراهة الصّلاة أيّ صلاةٍ كانت في هذه الأوقات .

ثانيهما : قوله صلى الله عليه وسلم « إذا رقد أحدكم عن الصّلاة أو غفل فليصلّها إذا ذكرها » ، فإنّ هذا الحديث يدلّ على جواز الصّلاة في كلّ وقتٍ عند التّذكّر .

وأشار ابن رشدٍ إلى أنّه يمكن الجمع بين الحديثين ، بأن نستثني من الصّلوات المنهيّ عنها في حديث عقبة السّنن ، ويكون النّهي منصّباً على الفرائض ، أمّا السّنن فليست منهيّاً عنها.

وحجّة مالكٍ على الرّواية الثّانية ، وهي كراهة السّنن في هذه الأوقات : حديث عقبة الّذي يدلّ على كراهة الصّلاة مطلقاً فيها .

وأجاز الشّافعيّة صلاة الكسوف وتحيّة المسجد إذا دخل المسجد لا لغرض أن يصلّيها ، بأن دخل المسجد لقضاء حاجةٍ ، ثمّ صلّى تحيّة المسجد . وأجاز الحنابلة ركعتي الطّواف .

25 - وأمّا حكم صلاة الفرض والواجب في هذه الأوقات ، فقد ذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يجوز قضاء ما فاته في هذه الأوقات ، لحديث عقبة المارّ ذكره ، والّذي يدلّ على النّهي عن الصّلاة فيها مطلقاً . ولا تجوز صلاة الجنازة إذا حضرت في غير الوقت المكروه ، ثمّ أخّرت الصّلاة عليها بدون عذرٍ إلى الوقت المكروه . ولا تجوز سجدة تلاوةٍ تليت آيتها أو سمعت في غير الوقت المكروه ، ثمّ سجد لها التّالي أو السّامع في الوقت المكروه . أمّا إذا حضرت الجنازة في الوقت المكروه ، ثمّ صلّى عليها في هذا الوقت ، فهي صحيحة مع الكراهة . ومثل ذلك سجدة التّلاوة إذا تليت آيتها في الوقت المكروه ، ثمّ سجد لها التّالي أو السّامع في هذا الوقت ، فإنّها تصحّ مع الكراهة .

ودليل الحنفيّة على عدم صحّة صلاة الجنازة ، إذا حضرت الجنازة في الوقت غير المكروه ، ثمّ أخّرت الصّلاة عليها إلى الوقت المكروه : حديث عقبة المارّ ذكره . ودليلهم على صحّة صلاة الجنازة وسجدة التّلاوة مع الكراهة : أن ما وجب في وقتٍ ناقصٍ يؤدّي في النّاقص مع الكراهة ، وما وجب في كاملٍ لا يؤدّى في النّاقص ، ومن أجل ذلك صحّ عصر اليوم مع الكراهة ، إذا أدّي في وقت الاصفرار ، لأنّه وجب في ناقصٍ فيؤدّى كما وجب ، ولم يصحّ عصر أمس إذا أدّاه في وقت الاصفرار ، اليوم ، لأنّه وجب في كاملٍ فلا يؤدّى في النّاقص . وذهب جمهور الفقهاء إلى جواز قضاء الفائتة في هذه الأوقات الثّلاثة ، لحديث : « إذا رقد أحدكم عن الصّلاة أو غفل عنها فليصلّها إذا ذكرها » ، دلّ الحديث على جواز قضاء الفائتة في كلّ وقتٍ عند التّذكّر .

ثانياً : أوقات الكراهة لأمرٍ في غير الوقت

26 - وهي عشرة أوقاتٍ ، كما ذكرها الشّرنبلاليّ : وأوصلها ابن عابدين إلى نيّفٍ وثلاثين موضعاً ، أهمّها :

الوقت الأوّل : قبل صلاة الصّبح .

27 - ذهب جمهور الفقهاء إلى كراهية التّنفّل قبل صلاة الصّبح إلاّ بسنّة الفجر .

وذهب المالكيّة إلى أنّه يجوز أن يصلّي الوتر إذا كان من عادته أن يصلّيه باللّيل ، فلم يصلّه حتّى طلع الفجر . واستدلّ الجمهور على كراهة التّنفّل قبل صلاة الصّبح بقوله صلى الله عليه وسلم « لِيبلّغْ شاهدُكم غائِبَكُمْ ، ولا تصلّوا بعد الفجر إلاّ سَجْدتين » .

أي لا صلاة بعد طلوع الفجر إلاّ ركعتي الفجر .

الوقت الثّاني : بعد صلاة الصّبح :

28 - اتّفق الفقهاء على كراهة التّنفّل المطلق ( وهو ما لا سبب له ) بعد صلاة الصّبح ، لما رواه الشّيخان أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا صلاةَ بعد صلاة العصر حتّى تغربَ الشّمسُ ، ولا صلاةَ بعد صلاةِ الصّبحِ حتّى تطلع الشّمس » .

وذهب الشّافعيّة إلى جواز أداء كلّ صلاةٍ لها سبب ، كالكسوف والاستسقاء والطّواف ، وسواء أكانت فائتةً فرضاً أم نفلاً ، « لأنّه صلى الله عليه وسلم صلّى بعد العصر ركعتين وقال : هما اللّتان بعد الظّهر » .

وذهب الحنابلة إلى جواز الإتيان بسنّة الفجر بعد صلاة الصّبح ، إذا نسيها ولم يتذكّرها إلاّ بعد صلاة الصّبح ، لما روي عن قيس بن فهدٍ قال : « خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأقيمت الصّلاة ، فصلّيت معه الصّبح ، فوجدني أصلّي ، فقال : مهلاً يا قيس أصلاتان معاً ؟ قلت : يا رسول اللّه إنّي لم أكن ركعت ركعتي الفجر . قال : فلا إذن » ظنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ الرّجل يصلّي الصّبح بعد أن صلّاه معه ، فأنكر عليه ، فلمّا علم أنّه يصلّي سنّة الفجر لم ينكر عليه . ولأنّه صلى الله عليه وسلم قضى سنّة الظّهر بعد العصر ، وسنّة الفجر في معناها .

الوقت الثّالث : بعد صلاة العصر :

29 - ذهبت الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى كراهة التّنفّل المطلق بعد صلاة العصر ، لحديث الشّيخين الّذي تقدّم : « لا صلاة بعد صلاة العصر » .

وذهب الحنابلة إلى جواز قضاء سنّة الظّهر بعد صلاة العصر ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى نافلة الظّهر بعد صلاة العصر .

الوقت الرّابع : قبل صلاة المغرب :

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٧٥