تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن حجر : لأنّه لو كان واجبا لعلّمه النّبيّ صلى الله عليه وسلم السّعاة ، ولأنّ سائر ما يأخذه الإمام من الكفّارات والدّيون وغيرهما لا يجب عليه فيها الدّعاء ، فكذلك الزّكاة ، وأمّا الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصّا به لكون صلاته سكنا بخلاف غيره .

ومن الدّعاء أن يقول : آجرك اللّه فيما أعطيت ، وبارك لك فيما أبقيت ، وجعله اللّه طهوراً ، ويستحبّ للمعطي أن يقول : اللّهمّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً .

ونقل وجه لبعض الشّافعيّة أنّ دعاء قابض الصّدقة لدافعها واجب عملاً بظاهر الآية لقوله تعالى : ﴿ وَصَلِّ عَليهمْ ﴾ .

رابعاً - جباية الفيء :

16 - الفيء من موارد بيت المال ، وهو المال المأخوذ من الكفّار بغير قتال ولا إيجاف خيل أو ركاب . ويشمل الفيء عدداً من الأموال منها ما هرب عنه الكفّار بغير قتال ، ومنها الجزية ، والخراج ، والعشور .

أ - جباية الجزية :

17 - الجزية لغة : اسم للمال المأخوذ من أهل الذّمّة . واصطلاحاً عبارة عن وظيفة أو مال يؤخذ من الكافر في كلّ عام مقابل إقامته في ديار الإسلام .

أمّا الإنابة في أدائها ومقدارها ومتى تجب وعلى من تجب فينظر في ذلك مصطلح :( جزية ).

18 - وأمّا كيفيّة جبايتها فقد أورد بعض الفقهاء منهم الخراسانيّون من الشّافعيّة صوراً لكيفيّة الصّغار منها : الوارد في الآية ، ومنها أنّ الجزية تؤخذ من الذّمّيّ وهو قائم ، ويكون القابض قاعدا ، وتكون يد القابض أعلى من يد الذّمّيّ ، ويقول له القابض أعط يا عدوّ اللّه . وقال النّوويّ والرّافعيّ : إنّ الأصحّ عند الشّافعيّة تفسير الصّغار بالتزام أحكام الإسلام وجريانها عليهم ، ونقل عميرة البرلّسيّ نحوه من كلام الشّافعيّ في الأمّ فقد قال : إن أخذ الجزية منهم أخذها بأحمال ولم يضرّ أحد منهم ولم ينله بقول قبيح . قالوا : وأشدّ الصّغار على المرء أن يحكم عليه بما لا يعتقده ويضطرّ إلى احتماله .

وقريب من ذلك ما ذكره الحنابلة من أنّ أهل الذّمّة لا يعذّبون في أخذ الجزية .

فعن هشام بن عروة قال : مرّ هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشّام قد أقيموا في الشّمس فقال : ما شأنهم ؟ قالوا حبسوا في الجزية ، فقال هشام : أشهد لسمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « إنّ اللّه يعذّب الّذين يعذّبون النّاس في الدّنيا » .

وروي أنّ عمر أتي بمال كثير قال أبو عبيد أحسبه الجزية فقال : إنّي لأظنّكم قد أهلكتم النّاس ؟ قالوا واللّه ما أخذنا إلاّ عفواً صفواً قال بلا سوط ولا نوط . قالوا : نعم . قال : الحمد للّه الّذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني .

ب - جباية الخراج :

19 - الخراج في اللّغة : اسم للكراء والغلّة ومنه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم :

« الخراج بالضّمان » وهو عند الفقهاء ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدّى عنها لبيت المال . ، والأرض المختصّة بوضع الخراج عليها هي الّتي صولح عليها المشركون من أرضهم على أنّها لهم ولنا عليها الخراج . وكذلك الأرض الّتي فتحت عنوة عند من يقول بوضع الخراج عليها . فأمّا مقدار الخراج المأخوذ فينظر في مصطلح : ( خراج ) .

ج - جباية عشور أهل الذّمّة :

20 - العشر ضريبة من أهل الذّمّة عن أموالهم الّتي يتردّدون بها متاجرين إلى دار الحرب ، أو يدخلون بها من دار الحرب إلى دار الإسلام ، أو ينتقلون بها من بلد في دار الإسلام إلى بلد آخر ، تؤخذ منهم في السّنة مرّة ما لم يخرجوا من دار الإسلام ثمّ يعودوا إليها مثلها عشور أهل الحرب من التّجّار كذلك إذا دخلوا بتجارتهم إلينا مستأمنين .

ما يشترط في جابي الخراج :

21 - يرسل الإمام بعض أهل الخبرة ليقدّر ما يوضع على الأرضين الخراجيّة من الخراج فإذا استقرّ ذلك وعلم يرسل الإمام من يجبي الخراج في موعده حسب التّقدير السّابق ، ويشترط في من يقوم بجباية عموم ما استقرّ من أموال الفيء من خراج وغيره ، الإسلام ، والحرّيّة ، والأمانة ، والاضطلاع بالحساب والمساحة ، ولا يشترط أن يكون فقيها مجتهداً ، لأنّه يتولّى قبض ما استقرّ بوضع غيره .

فإن كانت ولايته على نوع خاصّ من أموال الفيء فإنّه يعتبر ما وليه منها ، وحينئذ لا يخلو حاله عن أحد أمرين إمّا أن لا يستغني فيه عن الاستنابة ، وإمّا أن يستغني عنها ، فإن لم يستغن فيه عن الاستنابة اعتبر فيه الإسلام والحرّيّة مع اضطلاعه بشروط ما ولي من مساحة أو حساب ، ولم يجز أن يكون ذمّيّا ولا عبدا لأنّ فيها ولاية ، وإن استغنى عن الاستنابة جاز أن يكون عبدا لأنّه كالرّسول المأمور . وأمّا كونه ذمّيّا فينظر فيما ردّ إليه من مال الفيء ، فإن كانت معاملته فيه مع المسلمين كالخراج الموضوع على رقاب الأرضين إذا صارت في أيدي المسلمين ففي جواز كونه ذمّيّا وجهان .

هذا وإذا بطلت ولاية العامل فقبض مال الفيء مع فساد ولايته برئ الدّافع ممّا عليه إذا لم ينهه عن القبض ، لأنّ القابض منه مأذون له ، وإن فسدت ولايته وجرى في القبض مجرى الرّسول ، ويكون الفرق بين صحّة ولايته وفسادها أنّ له الإجبار على الدّفع مع صحّة الولاية وله الإجبار مع فسادها ، فإن نهي عن القبض مع فساد ولايته لم يكن له القبض ولا الإجبار ولم يبرأ الدّافع بالدّفع إليه إذا علم بنهيه . وفي براءته إذا لم يعلم بالنّهي وجهان ، بناء على عزل الوكيل إذا تصرّف من غير علم بالعزل . هذا ويعيّن الجابي شهراً من السّنة لجباية تلك الأموال ، وأمّا ما يأخذه مقابل عمله فهو كما ذكر المالكيّة كفاية سنة ويقدّمه الإمام على غيره عند القسمة بعد آل النّبيّ صلى الله عليه وسلم .

محاسبة الإمام للجباة :

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٧٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٧٤٠