14 - من قذف عائشة بما برّأها اللّه منه كفر بلا خلاف ، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد من الأئمّة . روي عن مالك أنّه قال : من سبّ أبا بكر جلد ، ومن سبّ عائشة قتل ، قيل له : لم ؟ قال : من رماها فقد خالف القرآن ، لأنّ اللّه تعالى قال : ﴿ يَعِظُكُمْ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدَاً إنْ كُنْتُم مُؤمِنينَ ﴾ .
وهل تعتبر سائر زوجات الرّسول صلى الله عليه وسلم كعائشة ؟ فيه قولان :
أحدهما : أنّه كسابّ غيرهنّ من الصّحابة .
الثّاني : أنّه من قذف واحدة من أمّهات المؤمنين فهو كقذف عائشة ، وذلك لأنّ هذا فيه عار وغضاضة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهنّ بعده قال تعالى : ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه لَعَنَهم اللَّهُ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ﴾ .
واختار الثّاني جمهور العلماء .
تنزيه مكّة المكرّمة :
15 - يتأكّد وجوب ترك المعاصي في مكّة المكرّمة وحرمها ، لأنّ المعصية أشدّ فيها من غيرها لقوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيه بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَليمٍ ﴾ .
قال مجاهد : تضاعف السّيّئات بمكّة كما تضاعف الحسنات . ويجب تنزيهها عن القتال فيها قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ مكّة حرّمها اللّه ، ولم يحرّمها النّاس ، فلا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخّص لقتال رسول اللّه فيه ، فقولوا إنّ اللّه عزّ وجلّ أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنّما أذن لي فيها ساعة من نهار ، ثمّ عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس » .
16 - ويجب تنزيهها عن حمل السّلاح لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكّة السّلاح » .
17 - ويجب تنزيهها عن دخول الكفّار . قال تعالى : ﴿ إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الكافر لا يمكّن من دخول حرم مكّة ، لا مقيماً ولا مارّاً به .
ومذهب الحنفيّة أنّه يمنع الكافر من استيطان مكّة ، ولكن لو دخل بتجارة جاز ولا يطيل .
تنزيه المدينة المنوّرة :
18 - يجب تنزيه المدينة عن إرادة أهلها بسوء فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه اللّه في النّار ذوب الرّصاص أو ذوب الملح في الماء » . ويجب تنزيهها عن الإحداث فيها : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين » .
تنزيه المساجد عن النّجاسات والقاذورات :
19 - اتّفق الفقهاء من حيث الجملة على وجوب تنزيه المساجد عن النّجاسات والقاذورات. فلا يجوز إدخال النّجاسة إلى المسجد ، أو أن يدخله من على بدنه أو ثيابه نجاسة ، أو جراحة ، وقيّده الشّافعيّة بخشية تلويث المسجد ، كما لا يجوز بناؤه بمتنجّس .
ولا يجوز البول والتّغوّط فيه لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ، ولا القذر ، إنّما هي لذكر اللّه ، والصّلاة ، وقراءة القرآن » . واختلف في اتّخاذ إناء للبول فيه في المسجد :
فالأصحّ عند الشّافعيّة المنع ، وهو عند المالكيّة جائز إذا اتّخذه البائت ليلا في المسجد إذا خاف أن يسبقه البول قبل خروجه من المسجد ، وتحرم الحجامة والفصد فيه .
وكذلك يحرم فيه الجماع لقوله تعالى : ﴿ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُم عَاكِفُونَ في المَسَاجِدِ ﴾ . ويجوز الوضوء في المسجد إذا أمن تلويثه بغسالته ، ولا تجوز إزالة النّجاسة العالقة بالأعضاء .
وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى عدم حرمة الفُساء في المسجد ، والأولى اجتنابه لقوله صلى الله عليه وسلم : « فإنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم » .
وذهب المالكيّة إلى التّحريم حملاً للحديث عليه . ولا يجوز البصاق في المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم : « البزاق في المسجد خطيئة وكفّارتها دفنها » .
ويكره إدخال الرّوائح الكريهة إلى المساجد لقوله صلى الله عليه وسلم : « من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا ، أو فليعتزل مساجدنا » .
وتفصيل هذه الأحكام في مصطلحي : ( مسجد ونجاسة ) .
تنزيه المساجد عن دخول الجنب والحائض :
20 - اتّفق الفقهاء - من حيث الجملة - على تحريم دخول الجنب والحائض المسجد وتحريم مكثهما فيه .
واستدلّوا لذلك بقوله تعالى : ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولونَ وَلا جُنُبَاً إلا عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ . أي لا تقربوا موضع الصّلاة وهو المسجد حالة السّكر والجنابة . كما استدلّوا بحديث عائشة رضي الله عنها : « جاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابنا شارعة في المسجد فقال : وجّهوا هذه البيوت عن المسجد ثمّ دخل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل لهم رخصة فخرج إليهم بعد فقال : وجّهوا هذه البيوت عن المسجد فإنّي لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب » .
واختلف الفقهاء في جواز مرور الحائض والجنب من المسجد :
فذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو قول سفيان الثّوريّ وإسحاق بن راهويه إلى تحريم مرور الحائض والجنب في المسجد . واستدلّوا بإطلاق حديث عائشة المتقدّم حيث لم يقيّد التّحريم بشيء فبقي على إطلاقه فيفيد تحريم المكث والمرور .
إلا أنّه يباح لهما المرور للضّرورة كالخوف على النّفس والمال .