تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال : واختلف المتأخّرون في المراد بإخفاء الاستعاذة ، فالجمهور على أنّ المراد به الإسرار فلا بدّ من التّلفّظ وإسماع نفسه ، وقيل : الكتمان بأن يذكرها بقلبه بلا تلفّظ ، قال : وإذا قطع القراءة إعراضا أو بكلام أجنبيّ ولو ردّا للسّلام استأنفها ، وإذا كان الكلام بالقراءة فلا. قال : وهل هي سنّة كفاية أو عين حتّى لو قرأ جماعة جملة ، فهل يكفي استعاذة واحد منهم كالتّسمية على الأكل أو لا ؟ لم أر فيه نصّا ، والظّاهر الثّاني ، لأنّ المقصود اعتصام القارئ والتجاؤه باللّه من شرّ الشّيطان ، فلا يكون تعوّذ واحد منهم كافيا عن آخر .

البسملة :

7 - ومن آداب التّلاوة أن يحافظ على قراءة البسملة أوّل كلّ سورة غير براءة ، لأنّ أكثر العلماء على أنّها آية ، فإذا أخلّ بها كان تاركاً لبعض الختمة عند الأكثرين ، فإن قرأ من أثناء سورة استحبّ له أيضا ، نصّ عليه الشّافعيّ فيما نقله العبّاديّ . قال القرّاء : ويتأكّد عند قراءة نحو : ﴿ إليهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ ، ﴿ وَهو الَّذِيْ أَنْشَأَ جَنَّاتٍ ﴾ كما في ذكر ذلك بعد الاستعاذة من البشاعة وإيهام رجوع الضّمير إلى الشّيطان ، قال ابن الجزريّ : والابتداء بالآي وسط " براءة " قلّ من تعرّض له ، وقد صرّح بالبسملة أبو الحسن السّخاويّ ، وردّ عليه الجعبريّ .

النّيّة :

8 - لا تحتاج قراءة القرآن إلى نيّة كسائر الأذكار ، إلا إذا نذرها خارج الصّلاة ، فلا بدّ من نيّة النّذر أو الفرض .

التّرتيل :

9 - يسنّ التّرتيل في قراءة القرآن قال تعالى : ﴿ وَرَتِّلْ القُرْآنَ تَرْتِيلاً ﴾ وروى أبو داود وغيره عن أمّ سلمة « أنّها نعتت قراءة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قراءة مفسّرة حرفاً حرفاً » . وفي البخاريّ عن أنس « أنّه سئل عن قراءة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال كانت مدّا ، ثمّ قرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم يمدّ اللّه ، ويمدّ الرّحمن ، ويمدّ الرّحيم » . وفي الصّحيحين عن ابن مسعود « أنّ رجلاً قال له إنّي أقرأ المفصّل في ركعة واحدة ، فقال : هذَّاً كهذِّ الشّعر - يعني الإسراع بالقراءة - إنّ قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع » . وأخرج الآجرّيّ في حملة القرآن عن ابن مسعود ، وقال : لا تنثروه نثر الدّقل - أي التّمر - ولا تهذّوه كهذّ الشّعر ، قفوا عند عجائبه ، وحرّكوا به القلوب ، ولا يكون همّ أحدكم آخر السّورة .

واتّفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع ، قالوا : وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزأين في قدر ذلك الزّمان بلا ترتيل .

ويستحبّ التّرتيل للتّدبّر ، لأنّه أقرب إلى الإجلال والتّوقير وأشدّ تأثيرا في القلب ، ولهذا يستحبّ التّرتيل للأعجميّ الّذي لا يفهم معنى القرآن .

واختلف القرّاء ، هل الأفضل التّرتيل وقلّة القراءة ، أم السّرعة مع كثرتها ؟ وأحسن بعض الأئمّة فقال : إنّ ثواب قراءة التّرتيل أجلّ قدراً ، وثواب الكثرة أكثر عدداً ، لأنّ بكلّ حرف عشر حسنات . وكمال التّرتيل كما قال الزّركشيّ : تفخيم ألفاظه ، والإبانة عن حروفه ، وألا يدغم حرف في حرف ممّا ليس حقّه الإدغام ، وقيل هذا أقلّه ، وأكمله أن يقرأه على منازله إن تهديدا لفظ به لفظ التّهديد ، أو تعظيما لفظ به على التّعظيم .

التّدبّر :

10 - تسنّ القراءة بالتّدبّر والتّفهّم ، فهو المقصود الأعظم ، والمطلوب الأهمّ ، وبه تنشرح الصّدور ، وتستنير القلوب . قال تعالى : ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاه إليكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾ وقال :

﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتّفكّر في معنى ما يلفظ به فيعرف معنى كلّ آية ، ويتأمّل الأوامر والنّواهي ، ويعتقد قبول ذلك ، فإن كان ممّا قصّر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر ، وإذا مرّ بآية رحمة استبشر وسأل ، أو عذاب أشفق وتعوّذ ، أو تنزيه نزّه وعظّم ، أو دعاء تضرّع وطلب .

تكرير الآية :

11 - لا بأس بتكرير الآية وترديدها ، روى النّسائيّ وغيره عن أبي ذرّ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قام بآية يردّدها حتّى أصبح : ﴿ إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهمْ عِبَادُكَ ﴾ »

البكاء عند التّلاوة :

12 - يستحبّ البكاء عند قراءة القرآن والتّباكي لمن لا يقدر عليه والحزن والخشوع ، قال تعالى : ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعَاً ﴾ وفي الصّحيحين حديث « قراءة ابن مسعود على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وفيه فإذا عيناه تذرفان » .

وعن سعد بن مالك مرفوعاً : « إنّ هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا » .

تحسين الصّوت :

13 - يستحبّ تحسين الصّوت بالقراءة وتزيينها لحديث ابن حبّان وغيره ، « وزيّنوا القرآن بأصواتكم » .

وقال الشّافعيّ : القراءة بالألحان لا بأس بها ، وفي رواية الرّبيع الجيزيّ : إنّها مكروهة ، قال الرّافعيّ : فقال الجمهور : ليست على قولين : بل المكروه أن يفرّط في المدّ وفي إشباع الحركات ، حتّى يتولّد من الفتحة ألف ، ومن الضّمّة واو ، ومن الكسرة ياء ، أو يدغم في غير موضع الإدغام ، فإن لم ينته إلى هذا الحدّ فلا كراهة ، وقال في زوائد الرّوضة : والصّحيح أنّ الإفراط على الوجه المذكور حرام ، يفسّق به القارئ ، ويأثم المستمع غير المستنكر ، لأنّه عدل به عن نهجه القويم ، قال : وهذا مراد الشّافعيّ بالكراهة .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٦٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٦٩٥