تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم لو فاته وِرْدُه من الصّلاة ، فإنّه يندب له قضاؤه كما قاله الأذرعيّ .

وعند الحنابلة ، قال الإمام أحمد : لم يبلغنا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى شيئاً من التّطوّع ، إلا ركعتي الفجر والرّكعتين بعد العصر .

وقال القاضي وبعض الأصحاب : لا يقضى إلا ركعتا الفجر وركعتا الظّهر .

وقال ابن حامد : تقضى جميع السّنن الرّواتب ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى بعضها ، وقسنا الباقي عليها . وفي شرح منتهى الإرادات : يسنّ قضاء الرّواتب ، إلا ما فات مع فرضه وكثر ، فالأولى تركه ، إلا سنّة الفجر فيقضيها مطلقاً لتأكّدها .

انقلاب الواجب تطوّعاً :

19 - قد ينقلب واجب العبادات إلى تطوّع ، سواء أكان بقصد أم بغير قصد .

ومن ذلك مثلاً في الصّلاة يقول ابن نجيم : لو افتتح الصّلاة بنيّة الفرض ، ثمّ غيّر نيّته في الصّلاة وجعلها تطوّعا ، صارت تطوّعاً .

وفي شرح منتهى الإرادات : إن أحرم مصلٍّ بفرض ، كظهر في وقته المتّسع له ولغيره ، ثمّ قلبه نفلا ، بأن فسخ نيّة الفرضيّة دون نيّة الصّلاة ، صحّت مطلقا ، أي سواء كان صلّى الأكثر منها أو الأقلّ ، وسواء كان لغرض صحيح أو لا ، لأنّ النّفل يدخل في نيّة الفرض ، وكره قلبه نفلا لغير غرض صحيح . ثمّ قال : وينقلب نفلا ما بان عدمه ، كما لو أحرم بفائتة ظنّها عليه ، فتبيّن أنّه لم تكن عليه فائتة ، أو أحرم بفرض ثمّ تبيّن له أنّه لم يدخل وقته ، لأنّ الفرض لم يصحّ ، ولم يوجد ما يبطل النّفل .

ومن ذلك الصّيام . جاء في شرح منتهى الإرادات : من قطع نيّة صوم نذر أو كفّارة أو قضاء ، ثمّ نوى صوماً نفلا صحّ نفله ، وإن قلب صائم نيّة نذر أو قضاء إلى نفل صحّ ، كقلب فرض الصّلاة نفلاً .

وخالف الحجّاويّ في " الإقناع " في مسألة قلب القضاء ، وكره له ذلك لغير غرض .

ومن ذلك الزّكاة . جاء في بدائع الصّنائع : إذا دفع الزّكاة إلى رجل ، ولم يخطر بباله أنّه ليس ممّن تصرف الزّكاة إليهم وقت الدّفع ، ولم يشكّ في أمره ، فإذا ظهر بيقين أنّه ليس من مصارفها لم تجزئه زكاة ، ويجب عليه الإعادة ، وليس له أن يستردّ ما دفع إليه ، ويقع تطوّعا . ثمّ قال الكاسانيّ في موضع آخر : حكم المعجّل إذا لم يقع زكاة : أنّه إن وصل إلى يد الفقير يكون تطوّعاً ، سواء وصل إلى يده من يد ربّ المال أو من يد الإمام أو نائبه - وهو السّاعي - لأنّه حصل أصل القربة .

وصدقة التّطوّع لا يحتمل الرّجوع فيها بعد وصولها إلى يد الفقير .

وفي المهذّب أيضاً : من أحرم بالحجّ في غير أشهره انعقد إحرامه بالعمرة ، لأنّها عبادة مؤقّتة ، فإذا عقدها في غير وقتها انعقد غيرها من جنسها ، كصلاة الظّهر إذا أحرم بها قبل الزّوال ، فإنّه ينعقد إحرامه بالنّفل . وفي الأشباه لابن نجيم : لو أحرم بالحجّ نذراً ونفلاً كان نفلا ، ولو أحرم بالحجّ فرضا وتطوّعا كان تطوّعا عندهما في الأصحّ .

حصول التّطوّع بأداء الفرض وعكسه :

20 - هناك صور يحصل التّطوّع فيها بأداء الفرض ، ولكنّ ثواب التّطوّع لا يحصل إلا بنيّته . جاء في الأشباه لابن نجيم - في الجمع بين عبادتين - قالوا : لو اغتسل الجنب يوم الجمعة للجمعة ولرفع الجنابة ، ارتفعت جنابته ، وحصل له ثواب غسل الجمعة .

وفي ابن عابدين : مَنْ عليه جنابة نسيها واغتسل للجمعة مثلاً ، فإنّه يرتفع حدثه ضمناً ، ولا يثاب ثواب الفرض ، وهو غسل الجنابة ما لم ينوه ، لأنّه لا ثواب إلّا بالنّيّة .

وفي الشّرح الصّغير : تتأدّى تحيّة المسجد بصلاة الفرض فيسقط طلب التّحيّة بصلاته ، فإن نوى الفرض والتّحيّة حصلا ، وإن لم ينو التّحيّة لم يحصل له ثوابها ، لأنّ الأعمال بالنّيّات . ومثل ذلك غسل الجمعة والجنابة ، وصيام يوم عرفة مع نيّة قضاء ما عليه .

وفي القواعد لابن رجب : لو طاف عند خروجه من مكّة طوافاً ينوي به الزّيارة والوداع ، فقال الخرقيّ وصاحب المغني : يجزئه عنهما .

ثانياً ما يشمل العبادات وغيرها من أحكام :

أ - قطع التّطوّع بعد الشّروع فيه :

21 - إذا كان التّطوّع عبادة كالصّلاة والصّيام ، فعند الحنفيّة والمالكيّة : إذا شرع فيه وجب إتمامه ، وإذا فسد وجب قضاؤه ، لأنّ التّطوّع يلزم بالشّروع مُضِيّا وقضاء .

ولأنّ المؤدّى عبادة ، وإبطال العبادة حرام ، لقوله تعالى : ﴿ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكمْ ﴾ .

وقد « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعائشة وحفصة رضي الله عنهما وقد أفطرتا في صوم التّطوّع اقضيا يوما مكانه » .

غير أنّ المالكيّة لا يوجبون القضاء إلا إذا كان الفساد متعمّداً ، فإن كان لعذر فلا قضاء . وعند الشّافعيّة والحنابلة : يستحبّ الإتمام إذا شرع في التّطوّع ولا يجب ، كما أنّه يستحبّ القضاء إذا فسد ، إلّا في تطوّع الحجّ والعمرة فيجب إتمامهما إذا شرع فيهما ، لأنّ نفلهما كفرضهما نيّة وفدية وغيرهما .

واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة على عدم وجوب الإتمام بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم :

« الصّائم المتطوّع أمير نفسه ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر » .

وتنظر التّفاصيل في ( نفل ، صلاة ، صيام ، حجّ ) .

22 - أمّا غير ذلك من التّطوّعات ، فإمّا أن يكون من قبيل عقود التّبرّعات المعروفة كالهبة والعاريّة والوقف والوصيّة ، وإمّا أن يكون من غير ذلك .

فإن كان من عقود التّبرّعات ، فلكلّ عقد حكمه في جواز الرّجوع أو عدم جوازه . ففي الوصيّة مثلا : يجوز باتّفاق الرّجوع فيها ما دام الموصي حيّا .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٦٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ٦٣٥