9- أمّا إذا ضمّت أنواعاً مختلفةً من جنس واحد لتكميل نصاب السّائمة ، كأن تضمّ العراب إلى البخاتيّ من الإبل ، والجواميس إلى البقر ، والضّأن إلى المعز من الغنم : فعند المالكيّة يخيّر السّاعي في الأخذ من أيّها شاء إذا تساوى النّوعان المضمومان ، وإذا لم يتساويا أخذ من الأكثر إذ الحكم للأغلب . وعند الشّافعيّة ثلاثة أقوال في المذهب :
أحدها : أنّه يؤخذ من الأغلب ، فإن استويا يؤخذ من الأغبط للمساكين على المذهب ، وذلك باعتبار القيمة ، كاجتماع الحقاق وبنات اللّبون .
والقول الثّاني : أنّه يؤخذ من الأعلى ، كما لو انقسمت إلى صحاح ومراض .
والقول الثّالث : أنّه يؤخذ من الوسط كما في الثّمار ، وهو مذهب الحنفيّة .
وعند الحنابلة أنّه يؤخذ من أحدهما على قدر قيمة المالين المزكّيين ، فإذا كان النّوعان سواءً ، وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر ، والمخرج من الآخر خمسة عشر ، أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف .
10 - فإن اتّفق في نصاب فرضان ، كالمائتين من الإبل ، وهي نصاب خمس بنات لبون ونصاب أربع حقاق ، فيخيّر بينهما ، فإن شاء أخرج أربع حقاق ، وإن شاء أخرج خمس بنات لبون ، لحديث : « فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون » ، ولأنّه وجد ما يقتضي إخراج كلّ نوع منهما .
والخيار في هذا للمالك ، وهذا باتّفاق الفقهاء ، وللشّافعيّ في القديم أنّه تجب أربع حقاق ، لأنّه إذا أمكن تغيّر الفرض بالسّنّ ، لم يغيّر بالعدد .
ثالثاً : التّخيير في فدية الجناية على الإحرام في الحجّ
11 - اتّفق الفقهاء على أنّ المحرم إذا جنى على إحرامه بأن حلق شعره ، أو قلّم أظفاره ، أو تطيّب ، أو لبس مخيطاً ، أنّه تجب عليه الفدية وهي على التّخيير بين خصال ثلاث : فإمّا أن يهدي شاةً ، أو يطعم ستّة مساكين ، أو يصوم ثلاثة أيّام .
وتفصيل موجب الفدية تقدّم في مصطلح : ( إحرام ) .
12 - ودليل ذلك قوله تعالى : ﴿ فَمَنْ كانَ مِنْكم مَرِيْضَاً أو به أَذًى منْ رَأْسِه فَفِدْيَةٌ منْ صِيَامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُك ﴾ . ولحديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه - « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له : لعلّك آذاك هوامّ رأسك ، قال : نعم يا رسول اللّه ، فقال صلى الله عليه وسلم : احلق رأسك وصم ثلاثةً ، أو أطعم ستّة مساكين ، أو انسك شاةً » .
وقصر الحنفيّة التّخيير في الفدية على أصحاب الأعذار ، أمّا غير المعذور فيفدي بذبح شاة ، ولا خيار له في غيرها . ولم يفرّق الجمهور بينهما .
ودليل الحنفيّة على ما ذهبوا إليه ، أنّ الآية واردة في المعذور بدليل حديث كعب بن عجرة المفسّرة للآية ، فجاء في رواية : « قال : حملت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي ، فقال : ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى ، أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى . أتجد شاةً ؟ فقلت : لا ، فقال : صم ثلاثة أيّام ، أو أطعم ستّة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع » . فدلّ على أنّه كان معذوراً وحملت الآية عليه .
ودليل الجمهور ما تقدّم في الآية والحديث من التّخيير بلفظ " أو " .
13 - والحكم ثابت في غير المعذور بطريق التّنبيه تبعاً للمعذور ، لأنّ كلّ كفّارة ثبت التّخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه .
14 - كما يثبت التّخيير في كفّارة قتل الصّيد في الحرم .
ويخيّر فيه قاتله بين ثلاث خصال : فإمّا أن يهدي مثل ما قتله من النَّعَم لفقراء الحرم ، إن كان الصّيد له مثل من الإبل أو البقر أو الغنم . أو أن يقوّمه بالمال ، ويقوّم المال طعاماً ، ويتصدّق بالطّعام على الفقراء . وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، أمّا المالكيّة فذهبوا إلى أنّ الصّيد يقوّم ابتداءً بالطّعام ، ولو قوّمه بالمال ثمّ اشترى به طعاماً أجزأه . والخصلة الثّالثة الّتي يخيّر فيها قاتل الصّيد أن يصوم عن كلّ مدّ من الطّعام يوماً . ودليل الاتّفاق على التّخيير في كفّارة صيد الحرم قوله تعالى : ﴿ هَدْيَاً بَالِغَ الكعبَةِ أو كفّارةٌ طعامُ مساكين أو عَدْلُ ذلك صيامَاً ﴾ و" أو " تفيد التّخيير .
رابعاً : من أسلم على أكثر من أربع نسوة :
15 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة ومحمّد بن الحسن إلى تخيير من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة ، أو أختان ، أو من لا يحلّ له الجمع بينهنّ بنسب أو رضاع ، فيخيّر في إمساك من أراد منهنّ ، بأن يمسك أربعاً أو أقلّ ، أو أن يمسك إحدى الأختين ، وهكذا . ويفسخ نكاحه ممّن سوى من اختارهنّ . وذلك لحديث قيس بن الحارث قال : « أسلمتُ وتحتي ثمان نسوة ، فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك ، فقال : اختر منهنّ أربعاً » . ولحديث محمّد بن سويد الثّقفيّ : « أنّ غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة ، فأسلمن معه ، فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يختار منهنّ أربعاً » .
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّ الكافر إذا أسلم وتحته خمس نسوة فصاعداً أو أختان بطل نكاحهنّ ، إن كان قد تزوّجهنّ بعقد واحد ، فإن كان قد رتّب فالآخر هو الّذي يبطل . ودليلهم على ما ذهبوا إليه أنّ هذه العقود فاسدة ، ولكنّا لا نتعرّض لهم ، لأنّا أمرنا بتركهم وما يدينون ، فإذا أسلموا بطلت الأنكحة الفاسدة .
16 - ومن أحكام التّخيير في هذا الباب وآثاره : أنّ الاختيار يحصل باللّفظ الصّريح كأن يقول : اخترت نكاح هؤلاء ، أو اخترت إمساكهنّ ، كما يحصل بأن يطلّق بعضهنّ ، لأنّ الطّلاق لا يكون إلاّ لزوجة . كما يحصل إذا وطئها ، وإذا وطئ الكلّ يتعيّن الأربع الأول للإمساك ، وما عداهنّ يتعيّن للتّرك .