9 - وردت عدّة روايات من طرقٍ متعدّدة أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أراد أن يخطب وأطال القيام يسند ظهره إلى إحدى سواري مسجده - صلّى اللّه عليه وسلّم - الّتي كانت من جذوع النّخل , وكان يشقّ عليه طول قيامه فأتي بجذع فحفر له فصار يخطب إلى جنبه وإذا طال قيامه - صلّى اللّه عليه وسلّم - استند فاتّكأ عليه , ولمّا رأى الصّحابة أنّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يشكو ضعفاً في رجليه ويشقّ عليه طول القيام عملوا له منبراً من خشب الطّرفاء وكان بمرقاتين - أي درجتين أو ثلاثٍ « فلمّا تحوّل صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المنبر يخطب عليه سمع لذلك الجذع حنين كصوت العشار فأتى النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم إليه فاحتضنه وضمّه فسكن » .
موضع قبر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحبيه :
10 - قال ابن هشام : لمّا فرغ من جهاز النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه فقال قائل ندفنه في مسجده , وقال قائل بل ندفنه مع أصحابه , فقال أبو بكر إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: « ما قبض نبي إلّا دفن حيث قبض » , فرفع فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي توفّي عليه فحفر له تحته ثمّ دخل النّاس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلون عليه أرسالاً - جماعةً بعد جماعة - .
وقال ابن كثير : قد علم بالتّواتر أنّه عليه الصّلاة والسّلام دفن في حجرة عائشة الّتي كانت تختص بها شرقيّ مسجده في الزّاوية الغربيّة القبليّة من الحجرة , ثمّ دفن بعده فيها أبو بكر ثمّ عمر رضي اللّه عنهما .
مكان أهل الصُفَّة :
11 - الصُفّةُ : بضمّ الصّاد المشدّدة وتشديد الفاء - مكان مظلّل في مؤخّر المسجد النّبويّ وإليها ينسب أهل الصفّة , وهم أناس من فقراء المسلمين , وأكثرهم من المهاجرين ممّن لم يكن لهم منازل ولا مأوىً , أنزلهم النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم المسجد وسمّاهم أهل الصفّة, وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يجالسهم ويأنس بهم , وكان إذا جاءته هديّة أصاب منها وبعث إليهم منها , وإذا جاءته الصّدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها .
قال ابن النّجّار : روى البخاري في الصّحيح أنّ أصحاب الصفّة كانوا فقراء , وروي - أيضاً- عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : « رأيت سبعين من أهل الصفّة ما منهم رجل عليه رداء , إمّا إزار وإمّا كساء قد ربطوه في أعناقهم , فمنها ما يبلغ نصف السّاقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهة أن ترى عورته » .
آداب دخول المسجد النّبويّ :
12 - يستحب لمن دخل المسجد النّبويّ أن يقول الذّكر الوارد في ذلك عند دخول المساجد , فيقدّم رجله اليمنى ويقول : " بسم اللّه اللّهمّ صلّ على محمّد ربّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك " .
وعند الخروج يقدّم رجله اليسرى ويقول ذلك , ولكن بلفظ : " وافتح لي أبواب فضلك " , ويصلّي عند الدخول ركعتين تحيّة المسجد والمسجد النّبوي وغيره من المساجد في ذلك سواء إلّا المسجد الحرام فإنّ تحيّته الطّواف .
ثمّ يقصد الحجرة الشّريفة الّتي فيها قبر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيستقبل القبر ويستدبر القبلة , ويدعو بالدعاء الوارد في ذلك .
ر : مصطلح ( زيارة قبر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ف / 7 ) .
الأحكام الخاصّة بمسجد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم :
للمسجد النّبويّ ما للمساجد من أحكام , ويختص بأحكام منها :
أ - شد الرّحال إليه :
13 - فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تُشَدَّ الرّحالُ إلّا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام , ومسجد الرّسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ومسجد الأقصى » .
وفي الحديث دليل على أنّ المسجد النّبويّ أحد المساجد الثّلاثة الّتي تختص بمزيّة جواز شدّ الرّحال إليها .
وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيّتها على غيرها لكونها مساجدَ الأنبياء , ولأنّ الأوّل قبلة النّاس وإليه حجهم والثّاني كان قبلة الأمم السّالفة , والثّالث أسّس على التّقوى . واختلف في شدّ الرّحال إلى غيرها كالذّهاب إلى زيارة الصّالحين أحياءً وأمواتاً , وإلى المواضع الفاضلة لقصد التّبرك بها والصّلاة فيها , فقال أبو محمّد الجويني : يحرم شد الرّحال إلى غيرها عملاً بظاهر هذا الحديث وبه قال عياض وطائفة .
والصّحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشّافعيّة أنّه لا يحرم .
ب - ثواب الصّلاة في المسجد النّبويّ فرضاً ونفلاً :
14 - عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلّا المسجد الحرام » .
ولا خلاف بين العلماء في حصول هذه الأفضليّة ومضاعفة الثّواب الواردة في الحديث لصلاة الفرض .
أمّا في صلاة النّفل فيرى الحنفيّة والمالكيّة - على الصّحيح - والحنابلة : أنّ الأفضليّة ومضاعفة الثّواب الواردة في الحديث خاصّة بالفرائض دون النّوافل , لأنّ صلاة النّافلة في البيت أفضل وأقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرّياء , لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلّا المكتوبة » , وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا قضى أحدكم الصّلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته فإنّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً » .