وقال مالك : هذا ليس بشرطٍ ، ويجزئه التّقدّم إذا أمكنه متابعة الإمام ، لأنّ الاقتداء يوجب المتابعة في الصّلاة ، والمكان ليس من الصّلاة . لكنّه يندب أن يكون الإمام متقدّماً على المأموم ، ويكره التّقدّم على الإمام ومحاذاته إلاّ لضرورةٍ .
والاعتبار في التّقدّم وعدمه للقائم بالعقب ، وهو مؤخر القدم لا الكعب ، فلو تساويا في العقب وتقدّمت أصابع المأموم لطول قدمه لم يضرّ . وكذلك إذا كان المأموم طويلاً وسجد قدّام الإمام ، إذا لم تكن عقبه مقدّمةً على الإمام حالة القيام ، صحّت الصّلاة ، أمّا لو تقدّمت عقبه وتأخّرت أصابعه فيضرّ ، لأنّه يستلزم تقدّم المنكب ، والعبرة في التّقدّم بالألية للقاعدين ، وبالجنب للمضطجعين .
11 - فإذا كان المأموم امرأةً أو أكثر من واحدٍ يقف خلف الإمام ، وإذا كان واحداً ذكراً - ولو صبيّاً - يقف على يمين الإمام مساوياً له عند الجمهور ، وذهب الشّافعيّة ومحمّد بن الحسن إلى أنّه يستحبّ تأخّره عن الإمام قليلاً .
وصرّح الحنفيّة بأنّ محاذاة المرأة للرّجال تفسد صلاتهم . يقول الزّيلعيّ الحنفيّ : فإن حاذته امرأة مشتهاة في صلاةٍ مطلقةٍ - وهي الّتي لها ركوع وسجود - مشتركةٍ بينهما تحريمةً وأداءً في مكان واحدٍ بلا حائلٍ ، ونوى الإمام إمامتها وقت الشّروع بطلت صلاته دون صلاتها ، لحديث : « أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ اللّه » وهو المخاطب به دونها ، فيكون هو التّارك لفرض القيام ، فتفسد صلاته دون صلاتها .
وجمهور الفقهاء : ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) يقولون : إنّ محاذاة المرأة للرّجال لا تفسد الصّلاة ، ولكنّها تكره ، فلو وقفت في صفّ الرّجال لم تبطل صلاة من يليها ولا من خلفها ولا من أمامها ، ولا صلاتها ، كما لو وقفت في غير الصّلاة ، والأمر في الحديث بالتّأخير لا يقتضي الفساد مع عدمه .
هذا ، وفي الصّلاة حول الكعبة في المسجد الحرام يشترط لصحّة الاقتداء عند الجمهور عدم تقدّم المأموم على الإمام في نفس الجهة ، حتّى إذا تقدّمه في غير جهتهما لم يضرّ اتّفاقاً . وتفصيل هذه المسألة وكيفيّة الصّلاة داخل الكعبة يرجع فيه إلى مصطلحي : ( صلاة الجماعة ، واستقبال القبلة ) .
ت - ألاّ يكون المقتدي أقوى حالاً من الإمام :
12 - يشترط لصحّة الاقتداء عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) ألاّ يكون المقتدي أقوى حالاً من الإمام ، فلا يجوز اقتداء قارئٍ بأمّيٍّ ، ولا مفترضٍ بمتنفّلٍ ، ولا بالغٍ بصبيٍّ في فرضٍ ، ولا قادرٍ على ركوعٍ وسجودٍ بعاجزٍ عنهما ، وكذلك لا يصحّ اقتداء سالمٍ بمعذورٍ ، كمن به سلس بولٍ ، ولا مستور عورةٍ بعارٍ عند الحنفيّة والحنابلة ، ويكره ذلك عند المالكيّة .
وقد ذكر الحنفيّة في ذلك قاعدةً فقالوا : الأصل أنّ حال الإمام إن كان مثل حال المقتدي أو فوقه جازت صلاة الكلّ ، وإن كان دون حال المقتدي صحّت صلاة الإمام . ولا تصحّ صلاة المقتدي . إلاّ إذا كان الإمام أمّيّاً والمقتدي قارئاً ، أو كان الإمام أخرس فلا يصحّ صلاة الإمام أيضاً . وقد توسّع الحنفيّة في تطبيق هذا الأصل على كثيرٍ من المسائل ، ووافقهم المالكيّة والحنابلة في هذه القاعدة مع خلافٍ وتفصيلٍ في بعض المسائل . وخالفهم الشّافعيّة في أكثر المسائل كما سيأتي بيانه عند الكلام في : ( اختلاف صفة الإمام والمقتدي ) .
ث - اتّحاد صلاتي المقتدي والإمام :
13 - يشترط في الاقتداء اتّحاد صلاتي الإمام والمأموم سبباً وفعلاً ووصفاً ، لأنّ الاقتداء بناء التّحريمة على التّحريمة ، فالمقتدي عقد تحريمته لمّا انعقدت له تحريمة الإمام ، فكلّ ما تنعقد له تحريمة الإمام جاز البناء عليه من المقتدي ، وعلى ذلك فلا تصحّ ظهر خلف عصرٍ أو غيره ولا عكسه ، ولا تصحّ صلاة ظهرٍ قضاءً خلف ظهرٍ أداءً ، ولا ظهرين من يومين مختلفين ، كظهر يوم السّبت خلف ظهر الأحد الماضيين ، إذ لا بدّ من الاتّحاد في عين الصّلاة وصفتها وزمنها ، وهذا عند جمهور الفقهاء : ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) وذلك لقوله عليه السلام : « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه » .
وقال الشّافعيّة : من شروط صحّة القدوة توافق نظم صلاتيهما في الأفعال الظّاهرة ، ولا يشترط اتّحاد الصّلاتين . وعلى ذلك تصحّ قدوة من يؤدّي الصّلاة بمن يقضيها ، والمفترض بالمتنفّل ، ومؤدّي الظّهر بالعصر ، وبالمعكوس . أي القاضي بالمؤدّي ، والمتنفّل بالمفترض ، وفي العصر بالظّهر ، نظراً لاتّفاق الفعل في الصّلاة وإن اختلفت النّيّة . وكذا يجوز الظّهر والعصر بالصّبح والمغرب ، وتجوز الصّبح خلف الظّهر في الأظهر عند الشّافعيّة ، وله حينئذٍ الخروج بنيّة المفارقة أو الانتظار ليسلّم مع الإمام وهو الأفضل . لكن الأولى فيها الانفراد . فإن اختلف فعلهما كمكتوبةٍ وكسوفٍ أو جنازةٍ ، لم يصحّ الاقتداء في ذلك على الصّحيح ، لمخالفته النّظم ، وتعذّر المتابعة معها .
أمّا اقتداء المتنفّل خلف المفترض فجائز عند جميع الفقهاء .
ج- عدم الفصل بين المقتدي والإمام :
14- يشترط لصحّة الاقتداء ألاّ يكون بين المقتدي والإمام فاصل كبير .
وهذا الشّرط محلّ اتّفاقٍ بين فقهاء المذاهب في الجملة ، وإن اختلفوا في بعض الفروع والتّفاصيل على النّحو التّالي :
بُعْد المسافة :