- 7 - وذهب المالكيّة ، والحنابلة فيما نقله الخرقيّ عن أحمد إلى أنّ الإياس له حدّان : أعلى وأدنى . فأقلّه عندهم جميعاً خمسون سنةً . وأعلاه عند المالكيّة سبعون . قالوا : فمن بلغت سبعين فدمها غير حيضٍ قطعاً . ومن لم تبلغ خمسين فدمها حيض قطعاً . ولا يسأل النّساء - أي ذوات الخبرة - فيهما . وما بين ذلك يرجع فيه للنّساء ، لأنّه مشكوك فيه . وأعلاه عند أحمد على هذه الرّواية ستّون سنةً ، تيأس بعدها يقيناً . وما بين الخمسين والسّتّين من الدّم مشكوك فيه ، لا تترك له الصّوم والصّلاة . وتقضي الصّوم المفروض احتياطاً . قال ابن قدامة : الصّحيح إن شاء اللّه أنّه متى بلغت المرأة خمسين فانقطع حيضها عن عادتها عدّة مرّاتٍ لغير سببٍ فقد صارت آيسةً ، لأنّ وجود الحيض في حقّ هذه نادر ، بدليل قلّة وجوده ، وقول عائشة :" لن ترى المرأة في بطنها ولداً بعد الخمسين "فإذا انضمّ إلى هذا انقطاعه عن العادة مرّاتٍ حصل اليأس من وجوده ، فلها حينئذٍ أن تعتدّ بالأشهر ، وإن انقطع قبل ذلك فحكمها حكم من ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه - أي فتتربّص تسعة أشهرٍ لاستبراء الرّحم ، وثلاثة أشهرٍ للعدّة - وإن رأت الدّم بعد الخمسين على العادة الّتي كانت تراه فيها فهو حيض في الصّحيح ، لأنّ دليل الحيض الوجود في زمن الإمكان ، وهذا يمكن وجود الحيض فيه ، وإن كان نادراً .
وإن رأته بعد السّتّين فقد تيقّن أنّه ليس بحيضٍ لأنّه لم يوجد ذلك .
اشتراط انقطاع الدّم مدّةً قبل الحكم بالإياس :
7 - ذكر هذا الشّرط الحنفيّة في سياق القول بأنّ سنّ الإياس خمسون أو خمس وخمسون عاماً ، قالوا : يشترط للحكم بالإياس في هذه المدّة أن ينقطع الدّم عنها مدّةً طويلةً ، وهي ستّة أشهرٍ في الأصحّ . قالوا : والأصحّ ألاّ يشترط أن يكون انقطاع ستّة أشهرٍ بعد مدّة الإياس . بل لو كان منقطعاً قبل مدّة الإياس ، ثمّ تمّت مدّة الإياس ، وطلّقها زوجها يحكم بإياسها وتعتدّ بثلاثة أشهرٍ . ولم يتعرّض لهذا الشّرط غير الحنفيّة فيما اطّلعنا عليه .
إياس من لم تحض :
8 - لم يعرض لهذه المسألة بالنّصّ عليها فيما اطّلعنا عليه غير الحنفيّة . فقد قالوا : إنّ المرأة إذا بلغت بالسّنّ ، واستمرّ امتناع الحيض ، فإنّها يحكم بإياسها متى بلغت ثلاثين عاماً . نقله في البحر عن الجامع .
ومقتضى إطلاق غيرهم أنّه لا يحكم بإياسها إلاّ متى بلغت سنّ الإياس المعتبر ، كغيرها .
السّنّة والبدعة في تطليق الآيسة :
9 - السّنّة في طلاق المرأة أن يكون في طهرٍ لم يأتها فيه زوجها ، أو أثناء الحمل .
أمّا طلاقها أثناء الحيض ، أو في طهرٍ أصابها فيه ، فإنّه طلاق بدعيّ .
وأمّا الآيسة من الحيض فقد قيل : لا سنّة لطلاقها ولا بدعة ، وقال الحنفيّة : السّنّة في طلاقها أن تطلق على رأس كلّ شهرٍ طلقةً .
وقيل : طلاقها طلاق سنّيّ ولو بعد الوطء . وينظر تفصيل ذلك في ( طلاقٍ ) .
عدّة طلاق الآيسة :
10 - تعتدّ ذات الأقراء من الطّلاق بثلاثة أقراءٍ .
والحامل عدّتها إلى وضع حملها ، أمّا الّتي أيست من الحيض ، إن كانت حرّةً فعدّتها من الطّلاق ثلاثة أشهرٍ من حين الطّلاق . وهذا متّفق عليه . لقول اللّه تعالى : ﴿ واللّائي يَئِسْنَ من المحيضِ من نسائِكم إنِ ارْتَبْتُم فعِدَّتُهُنَّ ثَلاثةُ أشْهُرٍ ﴾ . والتّفصيل في ( عدّةٍ ) .
من تأخذ حكم الآيسة من النّساء :
11 - إنّ المطلّقة إذا ارتفع حيضها ، وعرفت ما رفعه من رضاعٍ أو مرضٍ أو نفاسٍ ، فإنّها تنتظر زوال العارض وعود الدّم وإن طال ، إلاّ أن تصير في سنّ اليأس ، فعند ذلك تعتدّ عدّة الأيسات .
أمّا إن كان ارتفاع حيضها لسببٍ لا تعلمه ، وكانت حرّةً ، فقد قيل : تتربّص سنةً : تسعة أشهرٍ للحمل ، ثمّ تعتدّ بثلاثة أشهرٍ كالآيسة . وقيل في مدّة تربّصها غير ذلك ( ر : عدّة ) .
أحكام اللّباس والنّظر ونحوهما بالنّسبة للآيسة :
12 - إنّ المرأة إذا اجتمع لها مع الإياس انقطاع رجائها في النّكاح ثبت لها نوع من الرّخصة في كمال الاستتار . قال اللّه تعالى : ﴿ والقواعدُ من النّساءِ اللّاتي لا يَرْجُون نِكاحاً فليسَ عليهنّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهنّ غيرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزينَةٍ ﴾ ، قال القرطبيّ في تفسيرها : هنّ العجّز اللّواتي قعدن عن التّصرّف من السّنّ ، وقعدن عن الولد والمحيض . هذا قول أكثر العلماء . وقال أبو عبيدة : هنّ اللّاتي قعدن عن الولد ، وليس ذلك بمستقيمٍ ، لأنّ المرأة تقعد عن الولد ، وفيها مستمتع . وإنّما خصّ القواعد بهذا الحكم - وهو جواز وضع الجلباب أو الرّداء عنهنّ ، إذا كان ما تحته من الثّياب ساتراً لما يجب ستره - لانصراف الأنفس عنهنّ ، وقيل : لا بأس بالنّظر منها إلى ما يظهر غالباً وهو مذهب الحنابلة ، إذ لا مذهب للرّجال فيهنّ ، فأبيح لهنّ ما لم يبح لغيرهنّ ، وأزيل عنهنّ كلفة التّحفّظ المتعبة لهنّ .
ثانياً :
الإياس بمعنى انقطاع الرّجاء
13 - الإياس من حصول بعض الأشياء جائز ولا بأس به . بل استحضار الإياس من بعض الأشياء البعيدة الحصول قد يكون راحةً للنّفس من تطلّبها . وفي الحديث « أجمع الإياس ممّا في أيدي النّاس » . ولكن لا يجوز للمؤمن اليأس من روح اللّه ورحمته .
ومن أمثلة الإياس من رحمة اللّه الإياس من الرّزق أو نحوه كالولد ، أو وجود المفقود ، أو يأس المريض من العافية ، أو يأس المذنب من المغفرة .