اخْتِلَافُ الدِّينِ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ : 20 - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ , لِأَنَّهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ , فَيَرِثُ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ وَالْعَكْسُ , وَيَرِثُ الْمَجُوسِيُّ وَعَابِدُ الْوَثَنِ النَّصْرَانِيَّ وَالْيَهُودِيَّ وَيَرِثُهُمَا الْمَجُوسِيُّ وَغَيْرُهُ . وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ مِلَلٌ , فَلَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ الْمِلَلِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَلَا يَرِثُ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ وَلَا الْعَكْسُ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ مُرَجَّحٍ وَنُسِبَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْكُفْرَ ثَلَاثُ مِلَلٍ : النَّصَارَى مِلَّةٌ , وَالْيَهُودُ مِلَّةٌ , وَمَنْ عَدَاهُمَا مِلَّةٌ , وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي شُرَيْحٍ وَعَطَاءٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالضَّحَّاكِ وَالْحَكَمِ وَشَرِيكِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَوَكِيعٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رَأْيٌ آخَرُ مُرَجَّحٌ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ , وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِلَّةٌ , وَأَنَّ مَا سِوَاهُمَا مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ . وَذُكِرَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ , وَلَا يَرِثُهُمْ الْمَجُوسُ وَلَا يَرِثُ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى الْمَجُوسَ . وَاسْتَدَلَّ الْمَانِعُونَ مِنْ الْمِيرَاثِ فِيمَا بَيْنَ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : ﴿ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى ﴾ وَهُمْ أَهْلُ مِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ بِدَلِيلِ قوله تعالى : ﴿ وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى ﴾ فَقَدْ عَطَفَ النَّصَارَى عَلَى الَّذِينَ هَادُوا , وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ , وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ وَالْيَهُودُ لَا تَرْضَى إلَّا بِاتِّبَاعِ الْيَهُودِيَّةِ مَعَهُمْ وَالنَّصَارَى كَذَلِكَ , وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مِلَّةً عَلَى حِدَةٍ , وَلِأَنَّ النَّصَارَى يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ عِيسَى عليه السلام وَالْإِنْجِيلِ , وَالْيَهُودُ يَجْحَدُونَ ذَلِكَ . وَاسْتَدَلَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّفَقُوا عَلَى دَعْوَى التَّوْحِيدِ , وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ نِحَلُهُمْ فِي ذَلِكَ , وَاتَّفَقُوا عَلَى الْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُوسَى عليه السلام وَالتَّوْرَاةِ , بِخِلَافِ الْمَجُوسِ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ التَّوْحِيدَ وَلَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَلَا بِكِتَابٍ مُنَزَّلٍ , وَلَا يُوَافِقُهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى ذَلِكَ فَكَانُوا أَهْلَ مِلَّتَيْنِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حِلُّ الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ , إذْ تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْمَجُوسِ . وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ الدِّينَ دِينَيْنِ , الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِينٌ ﴾ وَجَعَلَ النَّاسَ فَرِيقَيْنِ فَقَالَ : ﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ . وَفَرِيقُ الْجَنَّةِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ , وَفَرِيقُ السَّعِيرِ هُمْ الْكُفَّارُ جَمِيعُهُمْ , وَجَعَلَ الْخَصْمَ خَصْمَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى : ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ وَالْمُرَادُ الْكُفَّارُ جَمِيعًا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ , وَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ وَلَكِنَّهُمْ عِنْدَ مُقَابَلَتِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ أَهْلُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ , لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُقِرُّونَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَبِالْقُرْآنِ وَجَمِيعُهُمْ يُنْكِرُ ذَلِكَ , وَبِإِنْكَارِهِمْ كَفَرُوا , فَكَانُوا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ مِلَّةً وَاحِدَةً فِي الشِّرْكِ . وَيُشِيرُ إلَى هَذَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ ﴾ فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم فَسَّرَ الْمِلَّتَيْنِ قَوْلُهُ : ﴿ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ﴾ , إذْ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى الْوَصْفِ الْعَامِّ وَهُوَ الْكُفْرُ بَيَانُ أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ التَّوْرِيثِ أَهْلُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ .
موسوعة فقه العبادات · الصفحة ٢٠٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
موسوعة فقه العباداتص ٢٠٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي