التَّقْصِيرِ إلَيْهِمَا . وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّةُ بِحَدِيثِ ﴿ لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ ﴾ وَفَسَّرُوهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْقَتْلِ شَيْءٌ مِنْ الْإِرْثِ . وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ خَوْفُ اسْتِعْجَالِ الْوَارِثِ لِلْإِرْثِ بِقَتْلِ مُورَثِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ , وَهُوَ مَا إذَا قَتَلَهُ عَمْدًا فَاقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ حِرْمَانَهُ مِنْ الْإِرْثِ , عَمَلًا بِقَاعِدَةِ : مَنْ اسْتَعْجَلَ بِشَيْءٍ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ , وَالِاسْتِعْجَالُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ ظَنِّهِ , وَبِالنَّظَرِ لِلظَّاهِرِ وَسَدِّ بَابِ الْقَتْلِ فِي بَاقِي الصُّوَرِ , وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَمَا فِي النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَالطِّفْلِ . وَلَا مَدْخَلَ لِلْمُفْتِي فِي الْقَتْلِ وَلَوْ أَخْطَأَ فِي الْإِفْتَاءِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ , لِأَنَّ إفْتَاءَهُ غَيْرُ مُلْزِمٍ , وَلَا رَاوِي الْحَدِيثِ , وَلَا الْقَاتِلِ بِالْعَيْنِ , وَلَا مَنْ أَتَى لِامْرَأَتِهِ بِلَحْمٍ فَأَكَلَتْ مِنْهُ حَيَّةٌ ثُمَّ أَكَلَتْ مِنْهُ الزَّوْجَةُ فَمَاتَتْ . وَأَمَّا مَنْ شَهِدَ عَلَى مُورَثٍ بِمُقْتَضَى جَلْدٍ فَجُلِدَ فَمَاتَ فَلِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ , لَكِنْ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ مَنْعُهُ بِذَلِكَ .
اخْتِلَافُ الدِّينَيْنِ : 18 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ إلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ حَتَّى وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ , لِأَنَّ الْمَوَارِيثَ قَدْ وَجَبَتْ لِأَهْلِهَا بِمَوْتِ الْمُورَثِ , وَسَوَاءٌ أَكَانَ الِارْتِبَاطُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ بِالْقَرَابَةِ أَمْ بِالنِّكَاحِ أَمْ بِالْوَلَاءِ . وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إلَى أَنَّهُ إنْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ وَرِثَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ ﴾ وَلِأَنَّ فِي تَوْرِيثِهِ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ . كَمَا ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْكَافِرَ يَرِثُ عَتِيقَهُ الْمُسْلِمَ . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا إلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ . وَذَهَبَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالْحَسَنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَمَسْرُوقٌ إلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الْكَافِرَ . اسْتَدَلَّ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَلٍ شَتَّى ﴾ وَلِقَوْلِهِ عليه السلام : ﴿ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ﴾ . وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِتَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : ﴿ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى ﴾ وَمِنْ الْعُلُوِّ أَنْ يَرِثَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ . وَفَسَّرَ الْمَانِعُونَ الْحَدِيثَ بِأَنَّ نَفْسَ الْإِسْلَامِ هُوَ الَّذِي يَعْلُو , عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الْإِسْلَامُ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ وَيَعْلُو . أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الْعُلُوُّ بِحَسَبِ الْحُجَّةِ أَوْ بِحَسَبِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ . أَيْ النُّصْرَةِ فِي الْعَاقِبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ .