وَالدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ يُقْسَمُ الْبَاقِي مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الَّذِينَ ثَبَتَ إرْثُهُمْ بِالْكِتَابِ وَهُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ , أَوْ الَّذِينَ ثَبَتَ إرْثُهُمْ بِالنِّسْبَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَطْعِمُوا الْجَدَّاتِ السُّدُسَ ﴾ , أَوْ الَّذِينَ ثَبَتَ إرْثُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ كَالْجَدِّ وَابْنِ الِابْنِ وَبِنْتِ الِابْنِ وَسَائِرِ مَنْ عُلِمَ تَوْرِيثُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ .
أَرْكَانُ الْإِرْثِ : 12 - الرُّكْنُ لُغَةً جَانِبُ الشَّيْءِ الْأَقْوَى , وَفِي الِاصْطِلَاحِ عِبَارَةُ عَنْ جُزْءِ الْمَاهِيَّةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِرْثَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ مِنْهُ الِاسْتِحْقَاقُ وَبِهَذَا الْإِطْلَاقِ لَهُ أَرْكَانٌ ثَلَاثَةٌ إنْ وُجِدَتْ كُلُّهَا تَحَقَّقَتْ الْوِرَاثَةُ , وَإِنْ فُقِدَ رُكْنٌ مِنْهَا فَلَا إرْثَ . أَوَّلُهَا : الْمُورَثُ وَهُوَ الْمَيِّتُ أَوْ الْمُلْحَقُ بِالْأَمْوَاتِ . وَثَانِيهَا : الْوَارِثُ وَهُوَ الْحَيُّ بَعْدَ الْمُورَثِ أَوْ الْمُلْحَقُ بِالْأَحْيَاءِ . وَثَالِثُهَا : الْمَوْرُوثُ ( أَيْ التَّرِكَةُ ) وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَالِ , بَلْ يَشْمَلُ الْمَالَ وَغَيْرَهُ . وَعَلَى هَذَا فَمَنْ مَاتَ وَلَهُ وَارِثٌ وَلَا مَالَ لَهُ فَلَا إرْثَ , وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَلَا إرْثَ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى بَيْتَ الْمَالِ وَارِثًا , كَمَا سَيَأْتِي .
شُرُوطُ الْمِيرَاثِ : 13 - الشُّرُوطُ جَمْعُ شَرْطٍ وَهُوَ لُغَةً الْعَلَامَةُ . وَاصْطِلَاحًا مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ , وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ . ( وَلِلْإِرْثِ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ ) : أَوَّلُهَا : تَحَقُّقُ مَوْتِ الْمُورَثِ أَوْ إلْحَاقُهُ بِالْمَوْتَى حُكْمًا كَمَا فِي الْمَفْقُودِ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِمَوْتِهِ أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا فِي الْجَنِينِ الَّذِي انْفَصَلَ بِجِنَايَةٍ عَلَى أُمِّهِ تُوجِبُ غُرَّةً . ثَانِيهَا : تَحَقُّقُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُورَثِ , أَوْ إلْحَاقُهُ بِالْأَحْيَاءِ تَقْدِيرًا , كَحَمْلٍ انْفَصَلَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً لِوَقْتٍ يَظْهَرُ مِنْهُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ نُطْفَةً عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ . ثَالِثُهَا : الْعِلْمُ بِالْجِهَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِرْثِ مِنْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ وَلَاءٍ , وَتَعَيُّنُ جِهَةِ الْقَرَابَةِ مِنْ بُنُوَّةٍ أَوْ أُبُوَّةٍ أَوْ أُمُومَةٍ أَوْ أُخُوَّةٍ أَوْ عُمُومَةٍ , وَالْعِلْمُ بِالدَّرَجَةِ الَّتِي اجْتَمَعَ الْمَيِّتُ وَالْوَارِثُ فِيهَا .
أَسْبَابُ الْإِرْثِ : 14 - السَّبَبُ لُغَةً مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ . وَاصْطِلَاحًا : مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ . أَسْبَابُ الْإِرْثِ أَرْبَعَةٌ , ثَلَاثَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ , وَالرَّابِعُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ . فَالثَّلَاثَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا : النِّكَاحُ , وَالْوَلَاءُ , وَالْقَرَابَةُ , وَيُعَبِّرُ عَنْهَا الْحَنَفِيَّةُ بِالرَّحِمِ , وَالرَّابِعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ هُوَ جِهَةُ الْإِسْلَامِ , وَاَلَّذِي يَرِثُ بِهَذَا السَّبَبِ - عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ وَهُمْ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - هُوَ بَيْتُ الْمَالِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ . وَكُلُّ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ يُفِيدُ الْإِرْثَ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ .
مَوَانِعُ الْإِرْثِ : 15 - الْمَانِعُ : مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ . وَمَوَانِعُ الْإِرْثِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ثَلَاثَةٌ : الرِّقُّ , وَالْقَتْلُ , وَاخْتِلَافُ الدِّينِ , وَاخْتَلَفُوا فِي ثَلَاثَةٍ أُخْرَى وَهِيَ : الرِّدَّةُ , وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ , وَالدَّوْرُ الْحُكْمِيُّ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ الْمَوَانِعِ جَهْلُ تَأَخُّرِ مَوْتِ الْوَارِثِ عَنْ مَوْتِ الْمُورَثِ وَاللِّعَانُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ , وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْمَوَانِعِ كُلِّهَا . الرِّقُّ مَوَانِعُ الْإِرْثِ : 16 - اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الرِّقَّ الْكَامِلَ يَمْنَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ . وَذَلِكَ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ لِمَوْلَاهُ . فَلَوْ وَرَّثْنَاهُ مِنْ أَقْرِبَائِهِ لَوَقَعَ الْمِلْكُ لِسَيِّدِهِ , فَيَكُونُ تَوْرِيثًا لِلْأَجْنَبِيِّ بِلَا سَبَبٍ , وَذَلِكَ بَاطِلٌ إجْمَاعًا .