أوّلاً : ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المحال عليه يلزم بالدّين المحال به , ولا يطالب به المحيل أبداً , لأنّ ذمّته قد برئت بمقتضى الحوالة , فلا يكون للمحال الحق في الرجوع على المحيل بحال , وعلى ذلك فإذا مات المحال عليه , فإنّ ما التزم به لا يبطل بموته , بل يؤخذ من تركته , فإذا مات مفلساً لا تركة له فإنّ التزامه لا يبطل , ولا يكون للمحال حق في الرجوع على المحيل , لأنّ الحوالة عقد لازم لا ينفسخ بالموت فامتنع الرجوع على المحيل لبقاء الدّين المحال به في ذمّة المحال عليه .
أمّا موت المحيل فلا تأثير له على الحوالة عند الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة , لأنّ ذمّته قد برئت وانتقل الدّين إلى ذمّة المحال عليه , فأصبح هو المطالب به وحده , إذ الحوالة بمنزلة الإيفاء .
ثانياً : ذهب الحنفيّة إلى أنّه لا تأثير لموت المحال عليه على ما التزم به من مال , فيؤخذ من تركته ويعطى للمحال .
وإذا كان المحال عليه مديناً قسم ماله بين الغرماء وبين المحال بالحصص , فإن بقي للمحال شيء من الدّين رجع به على المحيل .
وإذا كان دين الحوالة مؤجّلاً فإنّه يحل بوفاة المحال عليه لاستغنائه عن الأجل بموته . ويستثنى من ذلك ما إذا مات المحال عليه مفلساً , فإنّ الحوالة حينئذٍ تنتهي في الدّين كلّه - إن لم يترك وفاءً بشيء منه - أو تنتهي في باقيه إن ترك وفاءً ببعضه .
أمّا إذا مات المحيل فإنّ لوفاته تأثيراً على الحوالة المقيَّدة , وإن كان الأصل عندهم أنّ ذمّة المحيل قد برئت لانتقال الدّين إلى ذمّة المحال عليه , ولكنّ ذلك مقيّد بسلامة حقِّ المحال , فخوفاً أن يضيع حقه ويتوى , كان له الرجوع على المحيل رغم براءة ذمّته منه , إذ البراءة ههنا مؤقّتة ومرهونة بسلامة حقّ المحال , ولهذا فإن مات المحيل بعد الحوالة وقبل استيفاء المحال المال من المحال عليه بطلت الحوالة , وإذا كان على المحيل ديون أخرى , فالمحال أسوة الغرماء .
أمّا إذا كانت الحوالة مطلقةً , فإنّه لا تبطل بموت المحيل , ولا تأثير لموته على الحوالة , وأساس ذلك كما جاء في العقود الدرّيّة : أنّ الحوالة المطلقة تبرع , وإذا كان المحال عليه مديناً للمحيل لا تتقيّد بدينه , ولذا كان للمحيل مطالبته به قبل الأداء , فلا تبطل بقسمة دين المحيل بين غرمائه , لأنّ المحال لم يبق من غرمائه , بل صار من غرماء المحال عليه , فهذا كله دليل على أنّ الحوالة المطلقة لا تبطل بموت المحيل , بل تبقى مطالبة المحال على المحتال عليه , وإن أخذ منه دين المحيل وقسم بين غرمائه , وهذا جار على القواعد الفقهيّة .
ثالثاً : ذهب المالكيّة إلى أنّ الحوالة متى تمّت , فإنّ الدّين ينتقل من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه , ويصبح المحال عليه ملتزماً بأدائه للمحال , فإذا مات قبل الأداء , فإنّه يؤخذ الدّين المحال به من تركته , ولا رجوع للمحال على المحيل بحال , حتّى وإن مات المحال عليه مفلساً , إلّا أن يشترط المحال على المحيل أنّه إذا مات المحال عليه أو أفلس , فإنّه يرجع عليه , فله عند ذلك شرطه إذا مات المحال أو فلّس .
القسم الثّاني : العقود اللّازمة من جانب واحد :
وتشمل هذه العقود الرّهن والكفالة , إذ الرّهن لازم من جهة الرّاهن دون المرتهن , والكفالة لازمة من جهة الكفيل دون المكفول له , وبيان ذلك فيما يلي :
أ - الرّهن :
فرّق الفقهاء في تأثير الموت على التزام الرّاهن بين حالتين :
73 - الحالة الأولى : موت الرّاهن بعد قبض المرتهن للعين المرهونة وبيان ذلك أنّ الرّهن بعد القبض يكون لازماً في حقّ الرّاهن باتّفاق الفقهاء , ويترتّب على هذا اللزوم أنّه لا يجوز للرّاهن فسخه بإرادته المنفردة , فإذا مات الرّاهن بعد القبض , فإنّ التزامه النّاشئ عن عقد الرّهن لا يسقط بموته , لأنّ الرّهن قد لزم من جهته , ولا حقَّ للورثة في إبطال حقِّ المرتهن المتعلّق بالعين المرهونة , وإن كان ميراثاً لهم , وعلى ذلك فإنّ العين تبقى تحت يد المرتهن إلى أن يستوفي دينه , وإلّا بيعت العين لوفاء حقّه إذا تعذّر الاستيفاء من غيرها , وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
74 - الحالة الثّانية : موت الرّاهن قبل القبض :
اختلف الفقهاء في تأثير الموت على التزام الرّاهن بعد الرّهن إذا مات قبل تسليم العين المرهونة للمرتهن , وذلك على قولين :
أحدهما : للحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في مقابل الأصحّ , وهو أنّ الرّهن يبطل بموت الرّاهن قبل القبض , وينتهي التزامه بموته , ولا يلزم ورثته تسليم العين للمرتهن , وبذلك لا يختص المرتهن بالعين المرهونة , بل يكون في دينه أسوة الغرماء .
والثّاني : للشّافعيّة في الأصحّ والحنابلة , وهو أنّ الرّهن لا يبطل بموت الرّاهن قبل القبض, لأنّ مصير الرّهن إلى اللزوم , فلم ينفسخ بالموت كالبيع بشرط الخيار , ويقوم ورثته مقامه في الإقباض إن شاءوا ولا يجبرون عليه , لأنّ عقد الرّهن لم يكن لازماً في حقّ مورّثهم قبل القبض , فلم يلزم بموته , ويرث ورثته خياره في التّسليم للمرتهن أو عدمه .
غير أنّ الحنابلة وبعض الشّافعيّة نصوا في هذه الحالة على أنّه لا يصح لورثة الرّاهن أن يخصوا المرتهن بالعين المرهونة , إذا كان على مورّثهم دين آخر سوى دينه , بل يجب أن يكون أسوة الغرماء .
ب - الكفالة :