تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51 - ذهب جماهير الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة وغيرهم إلى أنّ حقّ الواهب في الرجوع في الهبة يسقط بموته , ولا ينتقل إلى ورثته من بعده لأنّ الخيار في الرجوع فيها حقٌّ شخصيّ للواهب , ثبت له لمعان وأوصاف ذاتيّة فيه , والحق الشّخصي لا يورث .

ثمّ إنّ الشّارع إنّما أوجب هذا الحقِّ للواهب , والوارث ليس بواهب .

وأيضاً هو حق مجرِّد , والحقوق المجرّدة لا تورث ابتداءً , وإنّما تورث تبعاً للمال , وورثة الواهب لا يرثون العين الموهوبة الّتي هي مال , فلا يرثون ما يتعلّق بها من حقّ الرجوع .

أثر الموت على التزامات المتوفّى :

أثر الموت على الالتزامات المفترضة بنصّ الشّارع :

هناك التزامات ماليّة وغير ماليّة , وسنعرض فيما يلي أثر الموت على كل من هذه الالتزامات :

أوّلاً - الالتزامات الماليّة :

أ - الزّكاة الواجبة :

52 - اختلف الفقهاء في تأثير الموت على سقوط دين الزّكاة إذا توفّي من وجبت الزّكاة في ماله قبل أدائها , وذلك على ثلاثة أقوال :

الأوّل : للشّافعيّة والحنابلة , وهو أنّه من وجبت عليه الزّكاة وتمكَّن من أدائها , ولم يؤدّها حتّى مات , فإنّها لا تسقط بموته , ويلزم إخراجها من رأس ماله وإن لم يوص بها , وهو مذهب عطاء والحسن البصريّ والزهريّ وقتادة وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر واحتجوا على ذلك بأنّ دين الزّكاة حق ماليّ واجب لزمه حال الحياة , فلم يسقط بموته , كدين العبد . ويفارق الصّلاة , فإنّها عبادة بدنيّة لا تصح الوصيّة بها ولا النّيابة فيها وبعموم قوله تعالى في آية المواريث : ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ حيث عمّم سبحانه الديون كلّها , والزّكاة دين قائم للّه تعالى وللمساكين والفقراء والغارمين وسائر من فرضها اللّه تعالى لهم بنصّ الكتاب المبين .

وبما ورد عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : « جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إنّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر , أفأقضيه عنها ؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم . قال : فدين اللّه أحق أن يقضى » . فدلَّ ذلك على أنّ حقوق اللّه تعالى أحقُّ أن تُقضى , ودين الزّكاة منها .

الثّاني : للحنفيّة , وهو أنّ من مات , وعليه دين زكاة لم يؤدّه في حياته , فإنّه يسقط بموته في أحكام الدنيا , ولا يلزم الورثة بإخراجها من تركته ما لم يوص بذلك , فإن أوصى بأدائها من تركته , فإنّها تخرج من ثلثها كسائر الوصايا , وما زاد على الثلث لا ينفذ إلّا بإجازة الورثة .

وهو قول ابن سيرين والشّعبيّ والنّخعيّ وحمّاد بن أبي سليمان وحميد الطّويل وعثمان البتّيّ وسفيان الثّوريّ وغيرهم .

وتعليل ذلك أنّ المقصود من حقوق اللّه تعالى إنّما هو الأفعال , إذ بها تظهر الطّاعة والامتثال , وما كان ماليّاً منها , فالمال متعلّق بالمقصود , وهو الفعل , وقد سقطت الأفعال كلها بالموت , لتعذر ظهور طاعته بها في دار التّكليف , فكان الإيصاء بالمال الّذي هو متعلّقها تبرعاً من الميّت ابتداءً , فاعتبر من الثلث .

وأيضاً فإنّ الزّكاة وجبت بطريق الصّلة, ألا ترى أنّه لا يقابلها عوضٌ ماليّ , والصّلات تبطل بالموت قبل التّسليم .

واستثنى الحنفيّة من ذلك زكاة الزروع والثّمار , فقالوا بعدم سقوطها بالموت قبل الأداء إذا كان الخارج , قائماً , فمن وجب عليه العشر أو نصف العشر فإنّه يؤخذ من تركته إذا مات قبل أدائه .

الثّالث : للمالكيّة , وهو أنّ من مات وعليه زكاة لم تؤدّ في حياته , فلا يخلو : إمّا أن تكون تلك الزّكاة حالّةً في العام الحاضر الّذي مات فيه , وإمّا أن تكون عن سنين ماضية فرّط في أداء الزّكاة فيها .

الحالة الأولى : فإن كانت الزّكاة حالّةً في العام الحاضر الّذي مات فيه , فإنّها إمّا أن تكون زكاة حرث وثمر وماشية , أو زكاة عين " ذهب أو فضّة " .

فإن كانت زكاة أموال ظاهرة كحرث وماشية ونحوها , فإنّها لا تسقط بموته , بل تخرج من رأس ماله مقدّمةً على الكفن والتّجهيز , سواء أوصى بها أو لا , لأنّها من الأموال الظّاهرة. أمّا إذا كانت زكاة عين حاضرةً " من الأموال الباطنة " فإنّها تخرج من رأس المال جبراً عن الورثة , إن اعترف بحلولها وبقائها في ذمّته وأوصى بإخراجها , أمّا إذا اعترف بحلولها , ولم يعترف ببقائها , ولم يوص بإخراجها , فلا يجبر الورثة على إخراجها لا من ثلث تركته ولا من رأس ماله , وإنّما يؤمرون في غير جبر , إلّا أن يتحقّق الورثة من عدم إخراجها , فحينئذٍ تخرج من رأس ماله جبراً .

وإذا اعترف ببقائها , وأوصى بإخراجها , أخرجت من الثلث جبراً .

وإن اعترف ببقائها ولم يوص بإخراجها , لم يقض عليهم بإخراجها , وإنّما يؤمرون بذلك من غير إجبار لاحتمال أن يكون قد أخرجها قبل موته , فإن علموا عدم إخراجها أجبروا على الإخراج من رأس ماله .

الحالة الثّانية : وإذا كانت الزّكاة عن مدّة ماضية , وفرّط في أدائها سواء أكانت زكاة عين أو ماشية أو حرث فيلزم إخراجها من الثلث إن أوصى بها أو اعترف بأنّها باقية في ذمّته . أمّا إذا لم يعترف بذلك ولم يوص بها , فإنّه لا يلزم الورثة إخراجها لا من الثلث ولا من رأس المال .

ولو أشهد في صحّته أنّها في ذمّته , وأنّه لم يفرّط , فإنّها تخرج من رأس المال .

وإذا أشهد في مرض موته على ذلك تكون بمنزلة الوصيّة , وتخرج من الثلث .

ب - صدقة الفطر :

53 - اختلف الفقهاء في تأثير الموت على سقوط صدقة الفطر عمّن وجبت عليه إذا مات قبل أدائها , وذلك على ثلاثة أقوال :

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١٨٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١٨٦٧