نصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّ هذا الحقّ يورث , ولا يسقط بموت المتحجّر , ويكون ورثته أحقّ بالأرض من غيرهم . وهو مقتضى مذهب المالكيّة , إذ الأصل عندهم أن تورث الحقوق كالأموال , إلّا إذا قام دليل على مفارقة الحقّ لمعنى المال , وحق التّحجير متعلّق بالمال , لا ينفك عنه , فكان موروثاً .
سابعاً - حق الانتفاع بالأراضي الخراجيّة :
45 - الأرض الخراجيّة : هي الّتي فرض الخراج على الّذين ينتفعون بها , سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين , والخراج : هو ما يوضع على الأرض غير العشريّة من حقوق تؤدّى عنها إلى بيت المال .
ويعتبر الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة الأراضي الخراجيّة موقوفةً على مصالح المسلمين في الجملة , أمّا الحنفيّة فيقولون : هي ملك لأصحابها , ولهم أن يتصرّفوا فيها بسائر وجوه التّصرف الشّرعيّة , وعلى ذلك فإنّها تورث عنهم بالموت كسائر أملاكهم , إذ ليس حق انتفاعهم بها إلّا أثراً من آثار ثبوت ملكيّتهم عليها .
وقد ترتّب على قول جمهور الفقهاء بوقفها على مصالح المسلمين أنّ المنتفعين بالأراضي الخراجيّة من الفلّاحين ونحوهم لا يملكونها , ولكن لهم حق الانتفاع بها في مقابل دفع خراجها إلى بيت المال , ثمّ إنّهم اختلفوا في انتقال هذا الحقّ لورثتهم بالموت على قولين : أحدهما : للشّافعيّة والحنابلة ومتأخّري المالكيّة , وهو أنّ حقّ المنفعة بالأراضي الخراجيّة يورث عن صاحبه , فإذا مات المنتفع بها انتقل الحق إلى ورثته , لأنّه حق ماليّ موروثٌ . والثّاني : لمتقدّمي فقهاء المالكيّة , وهو أنّ المنتفع بالأراضي الخراجيّة إذا مات سقط حقه في الانتفاع بها , ولا تورث عنه , ويكون للإمام أن يعطيها من بعده لمن يشاء , بحسب مقتضيات المصلحة العامّة للمسلمين .
ثامناً - حق الانتفاع بالإقطاع :
46 - نصّ الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة على أنّ للإمام أن يُقطع الأرض من بيت المال على وجه التّمليك لرقبتها كما يعطي المال لمستحقّه , فإذا مات المقطع , فإنّها تنتقل إلى ورثته كسائر أملاكه , سواء عمّرها وأحياها أم لا .
أمّا إقطاع الأراضي الموات لإحيائها , فقد اختلف الفقهاء في حكمه وفي انتقال الحقّ فيه إلى الوارث بموت صاحبه , وذلك على ثلاثة أقوال :
أحدها : للشّافعيّة والحنابلة , وهو أنّه لا يفيد الملك للمقطع إلّا بالإحياء , ولكنّه يكون أحقّ بها من غيره قبل الإحياء , وهذا الحق ينتقل لورثته بعد موته .
والثّاني : للحنفيّة , وهو أنّ للإمام أن يقطع كلّ مواتٍ وكلّ ما ليس فيه ملك لأحد , فإن عمّرها المقطع وأحياها صارت ملكاً له , وتورث عنه كسائر أملاكه , أمّا إذا لم يحيها ولم يعمّرها طيلة ثلاثة سنواتٍ , فإنّ حقّه فيها يبطل , وتعود إلى حالها مواتاً , وللإمام أن يعطيها غيره .
والثّالث : للمالكيّة , وهو أنّ إقطاع الموات تمليك مجرّد , فمن أقطعه الإمام شيئاً صار ملكاً له وإن لم يحيه ويعمّره , وبالموت ينتقل إلى ورثته كسائر أملاكه .
أمّا بالنّسبة لإقطاع الاستغلال الّذي يقع على أراضي بيت المال لمن له فيه حق , على سبيل استغلالها لا تمليكها فقد ذكر الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة أنّ للإمام أن يعطي الأرض التّابعة لبيت المال منفعةً , بحيث يكون المعطى مستحقاً لمنفعتها دون رقبتها وحق الانتفاع بها يعتبر حقاً شخصيّاً , فيسقط بوفاة صاحبه ولا يورث عنه , لأنّه مقيّد عرفاً بحياة المقطع , وترجع الأرض المقطعة بموته لبيت المال وقفاً على ما هي عليه .
تاسعاً - الاختصاص بالانتفاع بالأعيان النّجسة :
47 - الاختصاص هو حق في شيء , يختص مستحقه بالانتفاع به , ولا يملك أحد مزاحمته فيه , وهو غير قابل للشّمول والمعاوضات .
ومن صور الاختصاص بالأعيان النّجسة عند الشّافعيّة والحنابلة : الكلب المباح اقتناؤه ككلب الحراسة والصّيد والزيوت والأدهان المتنجّسة الّتي يجوز الانتفاع بها بالاستصباح أو بتحويلها إلى صابون ونحو ذلك , والاختصاص بهذه الأشياء ونحوها لا يفيد الملك عندهم , ولكنّه يعطي صاحبه حقّ الانتفاع المحدود بها في الوجوه السّائغة شرعاً .
وهذا الحق ينتقل بالموت إلى ورثة صاحب الاختصاص ولا يسقط بموته .
أمّا الحنفيّة وبعض المالكيّة فإنّهم يعتبرون الأعيان النّجسة أو المتنجّسة الّتي أبيح الانتفاع بها شرعاً مالاً متقوّماً , كالسّرجين والبعر وكلاب الماشية والصّيد ونحوها , وعلى ذلك فإنّها تورث عن صاحبها بموته كسائر أمواله .
عاشراً - حق القصاص والعفو عنه :
48 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ القود لا يجب إلّا في القتل العمد بعد اجتماع شروطه , وأنّه حق الورثة ( أولياء الدّم ) , ولكنّهم اختلفوا في ذلك الحقّ هل يثبت لهم ابتداءً أم بطريق الإرث عن المجنيّ عليه ؟ ومن هم الّذين يستحقونه منهم ؟ وذلك على ثلاثة أقوال : أحدها : للحنابلة والشّافعيّة في الأصحّ وأبي يوسف ومحمّد وهو أنّ حقّ القصاص يثبت للمجنيّ عليه أوّلاً بسبب الجناية عليه , ثمّ ينتقل إلى ورثته جميعهم , الرّجال والنّساء والكبار الصّغار , من ذوي الأنساب والأسباب , كسائر أمواله وأملاكه , وهو قول عطاء والنّخعيّ والحكم وحمّاد والثّوريّ .
وعلى ذلك , فمتى انتقل الحق للورثة , فهم بالخيار : إن شاءوا اقتصوا , وإن شاءوا عفوا, وإذا عفا أحدهم عن حقّه في القصاص سقط حق الباقين فيه , لأنّه لا يتجزّأ , وينقلب نصيب الباقين مالاً , ولا يكون للعافي شيء منه , ولأنّه أسقط حقّه مجّاناً برضاه .