12 - الحج من أعظم الأعمال المقرّبة إلى اللّه تعالى ، نقل النّووي عن الحسن البصريّ أنّه قال : الدعاء هنالك يستجاب في خمسة عشر موضعاً : في الطّواف ، وعند الملتزم ، وتحت الميزاب ، وفي البيت ، وعند زمزم ، وعلى الصّفا والمروة ، وفي المسعى ، وخلف الإمام ، وفي عرفاتٍ ، وفي المزدلفة ، وفي منىً ، وعند الجمرات الثّلاث .
ثالثاً - الأحوال الّتي هي مظنّة الإجابة :
أ - الدعاء بين الأذان والإقامة وبعدها :
13 - الأذان من أعظم الشّعائر ، يُذكرُ فيه اللّه تعالى بالتّوحيد ، ويُشهد لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالرّسالة ، ويُنشر ذلك على رءوس النّاس بالصّوت الرّفيع إلى المدى البعيد ، ويُدعى عباد اللّه لإقامة ذكر اللّه ، وقد ورد من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ثنتان لا تردّان أو قلّما تردّان : الدعاء عند النّداء ، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً » .
وورد من حديث أنسٍ رضي الله عنه أنّه عليه الصلاة والسلام قال : « الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة » .
وروي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص : « أنّ رجلاً قال : يا رسول اللّه إنّ المؤذّنين يفضلوننا ، قال : قل كما يقولون ، فإذا انتهيت فسلْ تُعْطَه » .
وورد أيضاً استجابة الدعاء بعد الإقامة ، وهو حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ساعتان تفتح فيهما أبواب السّماء : عند حضور الصّلاة ، وعند الصّفّ في سبيل اللّه » .
ب - الدعاء حال السجود :
14 - وإنّما كان السجود مظنّة الإجابة ؛ لأنّ فيه يتمثّل كمال العبوديّة والتّذلُّل والخضوع للّه تعالى ، يضع العبد أكرم ما فيه ، وهو جبهته ووجهه على الأرض وهي موطئُ الأقدام ، تعظيماً لربّه تبارك وتعالى ، ومع كمال التّذلل والتّعظيم يزداد القرب والمكانة من ربّ العزّة ، فيكون ذاك مظنَّة عود اللّه تعالى على عبده بالرّحمة والمغفرة والقبول ، ولهذا قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً ، فأمّا الركوع فعظّموا فيه الرّبّ عزّ وجلّ ، وأمّا السجود فاجتهدوا في الدعاء ، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم » ، وروى أبو هريرة أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد فأكثروا الدعاء » .
ولا فرق في ذلك بين سجود الفرض وسجود النّفل ، إلّا ما قاله القاضي من الحنابلة من أنّه لا يستحب الزّيادة على " سبحان ربّي الأعلى " في الفرض ، وفي التّطوع روايتان .
ونصّ المالكيّة والشّافعيّة على أنّه يندب الدعاء في السجود .
وزاد الشّافعيّة : بدينيّ أو دنيوي إن كان منفرداً أو إماماً لمحصورين ، أو لم يحصل بالدعاء طول ، وإلّا فلا .
ج - الدعاء بعد الصّلاة المفروضة :
15 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ ما بعد الصّلاة المفروضة موطن من مواطن إجابة الدعاء ؛ لما روي من حديث مسلم بن الحارث رضي الله عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه أسر إليه فقال : « إذا انصرفت من صلاة المغرب ، فقل : اللَّهُمَّ أجرني من النّار ، سبع مرَّاتٍ ، فإنّك إذا قلت ذلك ثمّ متَّ من ليلتك كتب لك جوار منها ، وإذا صلّيت الصبح فقل كذلك ، فإنّك إن متّ في يومك كتب لك جوار منها » .
وورد ما يدل على أنّ الدعاء في دبر الصّلوات المكتوبة على العموم ، فيها أسمع من غيرها، وهو ما روي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنّه قال : « قيل : يا رسول اللّه ، أيُّ الدعاء أسمعُ ؟ قال : جوف اللّيل الآخر ، ودبر الصّلوات المكتوبات » .
وقد نقل الغزالي عن مجاهد قال : إنَّ الصّلوات جعلت في خير الأوقات ، فعليكم بالدعاء خلف الصّلوات .
وروي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه مرفوعاً : « من صلّى صلاة فريضة فله دعوة مستجابة ، ومن ختم القرآن فله دعوة مستجابة » .
د - حال الصّوم وحال الإفطار من الصّوم :
16 - أمر اللّه بصوم رمضان ، وذكر إكمال العدّة ثمّ قال : ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ . وفي ذلك إشارة إلى المعنى المذكور . قال ابن كثير : في ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخلّلةً بين أحكام الصّيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدّة ، بل وعند كلّ فطر؛ لما روى عبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « للصّائم عند إفطاره دعوة مستجابة ، فكان عبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما إذا أفطر دعا أهله وولده ثمّ دعا » ولما روي أيضاً : « إنّ للصّائم عند فطره دعوةً ما تُرَدّ » .
هـ - الدعاء بعد قراءة القرآن وبعد ختمه :
17 - دلّ على استجابة الدعاء بعد قراءة القرآن وبعد ختمه ما روي من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أنّه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من قرأ القرآن فليسأل اللّه به ، فإنّه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به النّاس » , وحديث العرباض بن سارية : « من ختم القرآن فله دعوة مستجابة » .
و - دعوة المسافر :
18 - السّفر من مواطن الإجابة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : « ثلاث دعواتٍ مستجابات : دعوة المظلوم ، ودعوة المسافر ، ودعوة الوالد على ولده » . قال ابن علَّان : المراد المسافر إن لم يكن عاصياً بسفره كما هو ظاهر ، والولد إن كان ظالماً لأبيه عاقاً له .
ز - الدعاء عند القتال في سبيل اللّه :