واستدلوا بما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما : أنّ رجلاً وقع عن راحلته - وهو محرم - فوقصته , فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « اغسلوه بماء وسدرٍ ، وكفّنوه في ثوبيه ، ولا تخمّروا رأسه ولا وجهه ، فإنّه يبعث يوم القيامة يلبّي » .
فهو نص في أنّ المحرم لا يغطّي رأسه ولا وجهه , فمن فعل خلاف ذلك يكون مرتكباً لمحظور تجب به الفدية .
وروى مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ ما فوق الذّقن من الرّأس لا يخمّره المحرم . وقالوا : إنّ المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها , فيحرم على الرّجل تغطية رأسه .
خامساً : كفّارة الظّهار :
57 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المسلم الحرّ إذا قال لامرأته : أنت عليّ كظهر أمّي , يكون مظاهراً منها , ويلزمه للعود إليها كفّارة الظّهار .
كما لا خلاف بينهم في عدم وجوب الكفّارة بالظّهار المعلّق على شرطٍ إلا إذا تحقّق الشّرط . ولا خلاف بينهم في أنّ من ظاهر من أربع نسوةٍ له بكلمة واحدةٍ أو بكلمات يكون مظاهراً منهنّ جميعاً .
ولا خلاف بينهم في تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته فكفّر ثمّ ظاهر .
ولا خلاف بينهم على توافر شرط القدرة على أداء الكفّارة .
ولا خلاف بينهم أيضاً على أنّ المظاهر يحرم عليه وطء زوجته قبل التّكفير , وعلى أنّ من جامع قبل التّكفير يكون آثماً وعاصياً لمخالفته أمر اللّه عزّ وجلّ : ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ﴾ . واختلفوا فيما عدا ذلك على تفصيلٍ ينظر في مصطلح : ( ظهار ف 8 وما بعدها ) .
وجوب الكفّارة على المرأة إذا ظاهرت من زوجها :
58 - اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على المرأة إذا ظاهرت من زوجها كأن تقول لزوجها : أنت عليّ كظهر أبي , أو تقول : إن تزوّجت فلاناً فهو عليّ كظهر أبي , وذلك على ثلاثة أقوالٍ :
القول الأوّل : عدم وجوب الكفّارة عليها لعدم صحّة الظّهار منها .
وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة , وهو رواية عند الحنابلة , وبه قال إسحاق وأبو ثورٍ والثّوري وسالم ويحيى بن سعيدٍ وربيعة وأبو الزّناد .
واستدلوا بقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ﴾ ووجه الدّلالة من الآية : أنّ الخطاب فيها موجّه للرّجال , وليس للنّساء , لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال : ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ ﴾ ولم يقل : واللائي تظاهرن منكم من أزواجهنّ , فدلّ ذلك على أنّ الظّهار إنّما هو خاص بالرّجال .
وقالوا إنّ الظّهار قول يوجب التّحريم في الزّوجة , ويملك الزّوج رفعه , لأنّه مختص بالنّكاح , فاختصّ به الرّجل دون المرأة , لأنّها لا تملك التّحريم بالقول كالطّلاق .
وأضافوا إنّ الحلّ والعقد - التّحليل والتّحريم - في النّكاح بيد الرّجال وليس بيد المرأة منه شيء , فهو حق للرّجل , فلم تملك المرأة إزالته كسائر حقوقه .
القول الثّاني : إنّه ليس بظهار وهذا عند الحنابلة .
قال القاضي : لا تكون مظاهرةً رواية واحدة , واختلف عن أحمد في الكفّارة .
فنقل عنه جماعة : عليها كفّارة الظّهار لما روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم أنّ عائشة بنت طلحة قالت : إنّي تزوّجت مصعب بن الزبير فهو عليّ كظهر أبي , فسألت أهل المدينة فرأوا أنّ عليها الكفّارة , ولأنّها زوج أتى بالمنكر من القول والزور فلزمه كفّارة الظّهار . والرّواية الثّانية عن أحمد : ليس عليها كفّارة , لأنّه قول منكر وزور وليس بظهار , فلم يوجب كفّارةً .
والرّواية الثّالثة , عليها كفّارة اليمين : قال ابن قدامة وهذا أقيس على مذهب أحمد وأشبه بأصوله , لأنّه ليس بظهار , ومجرّد القول من المنكر والزور لا يوجب كفّارة الظّهار . القول الثّالث : إنّه ظهار وعليها كفّارة الظّهار , وهذا قول أبي يوسف والحسن بن زيادٍ , لأنّ المعنى في جانب الرّجل تشبيه المحلّلة بالمحرّمة وذلك يتحقّق في جانبها , والحل مشترك بينهما .
سقوط الكفّارة بالاستثناء بالمشيئة :
59 - اختلف الفقهاء في سقوط الكفّارة بالاستثناء بالمشيئة في الظّهار على قولين :
القول الأوّل : سقوط الكفّارة بالاستثناء بالمشيئة في الظّهار وعدم انعقاده .
وإليه ذهب الحنفيّة , والشّافعيّة , والحنابلة , وبه قال أبو ثورٍ واستدلوا بما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك غير حنثٍ ». وفي لفظٍ : « من حلف على يمينٍ فقال إن شاء اللّه فقد استثنى فلا حنث عليه » .
وجه الدّلالة من هذا الحديث : أنّه يدل بعمومه على أنّ قصد التّعليق بالمشيئة يمنع الانعقاد في الطّلاق والظّهار وغيرهما من الأيمان لأنّها داخلة في عموم الحديث .
واستدلوا بقياس الظّهار على اليمين باللّه تعالى بجامع التّكفير في كلٍّ , ولمّا كانت اليمين باللّه تعالى يصح الاستثناء فيها ويمنع انعقادها , فكذلك الظّهار .
القول الثّاني : عدم سقوط الكفّارة بالاستثناء بالمشيئة في الظّهار لانعقاده وإليه ذهب المالكيّة .
واستدلوا بأنّ الطّلاق والعتاق والمشي والصّدقة , وكذلك الظّهار , ليست أيماناً شرعيّةً , بل هي إلزامات , بدليل أنّ حروف القسم لا تدخل عليها وأنّ الحلف بها ممنوع , فلو قال : يلزمه الطّلاق إن شاء اللّه , أو يلزمه الظّهار إن شاء اللّه .
لزمه ولا اعتبار لمشيئته .
سقوط الكفّارة بمضيّ الوقت في الظّهار المؤقّت :
60 - اختلف الفقهاء في سقوط الكفّارة بمضيّ الوقت في الظّهار المؤقّت كأن يقول الزّوج : أنت عليّ كظهر أمّي شهراً , أو حتّى ينسلخ الشّهر أو شهر رمضان على تفصيلٍ ينظر في : ( ظهار ف 6 ) .
تعدد الكفّارة بتعدد الظّهار :