( الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ ) : 4 - مِنْ الْقُرَبِ مَا هُوَ وَاجِبٌ , وَذَلِكَ كَالْفَرَائِضِ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ , مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ , فَهِيَ عِبَادَاتٌ مَقْصُودَةٌ شُرِعَتْ لِلتَّقَرُّبِ بِهَا , وَعُلِمَ مِنْ الشَّارِعِ الِاهْتِمَامُ بِتَكْلِيفِ الْخَلْقِ إيقَاعَهَا عِبَادَةً . وَمِنْ الْقُرَبِ الْوَاجِبَةِ الْقُرَبُ الَّتِي يُلْزِمُ الْإِنْسَانُ بِهَا نَفْسَهُ بِالنَّذْرِ . وَمِنْهَا مَا هُوَ مَنْدُوبٌ , كَالنَّوَافِلِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ . وَمِنْهَا مَا هُوَ مُبَاحٌ , إذْ أَنَّ الْمُبَاحَاتِ تَكُونُ قُرْبَةً بِنِيَّةِ إرَادَةِ الثَّوَابِ بِهَا , كَالْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْقُرْبَةُ , كَالطَّعَامِ بِنِيَّةِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ . وَمِنْ الْقُرُبَاتِ مَا هُوَ حَرَامٌ , وَذَلِكَ كَالْقُرُبَاتِ الْمَالِيَّةِ , كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ إذَا فَعَلَهَا الْإِنْسَانُ وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِمَّا لَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وَاجِبٌ فَلَا يَحِلُّ تَرْكُهُ لِسُنَّةٍ . وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ قُرْبَةٌ , فَقَدْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رضي الله عنه الْتِزَامَهُ قِيَامَ اللَّيْلِ وَصِيَامَ النَّهَارِ وَاجْتِنَابَ النِّسَاءِ , وَقَالَ لَهُ : ﴿ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي ؟ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ , لَكِنْ سُنَّتَك أَطْلُبُ . قَالَ : فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ ﴾ , وَقَدْ نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ سَرْدِ الصَّوْمِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَالِاخْتِصَاءِ , وَكَانُوا قَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْفِطْرَ وَالنَّوْمَ ظَنًّا أَنَّهُ قُرْبَةٌ إلَى رَبِّهِمْ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ غُلُوٌّ فِي الدِّينِ وَاعْتِدَاءٌ عَلَى مَا شَرَعَ , فَقَالَ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ . وَقَدْ تَكُونُ الْقُرْبَةُ مَكْرُوهَةً , وَذَلِكَ كَالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ , وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهَا , وَكَالْوَصِيَّةِ مِنْ الْفَقِيرِ الَّذِي لَهُ وَرَثَةٌ
موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١٦٠٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
موسوعة فقه العباداتص ١٦٠٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي