ومن هذه الدّلائل قوله تعالى : ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ﴾ وقول عليّ - رضي الله عنه - : « جعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيّام ولياليهنّ للمسافر ويوماً وليلةً للمقيم » من غير فصل بين سفر وسفر، فوجب العمل بعموم النّصوص وإطلاقها .
الثّانية : مسافة السّفر :
19 - وهو أن يقصد الإنسان مسيرة مسافة السّفر المقدّرة عند الفقهاء ، حتّى إنّه لو طاف الدّنيا من غير قصد مسيرة المسافة المحدّدة لا يجوز له القصر ؛ لأنّه لا يعتبر مسافراً ، وقد مرّ بيان ذلك .
الثّالثة : الخروج من عمران بلدته :
20 - فالقصر لا يجوز إلاّ أن يجاوز المسافر محلّ إقامته ، وما يتبعه على التّفصيل الّذي سيأتي بيانه .
لكن هل يشترط الخروج للسّفر قبل مضيّ وقت يسع الإتمام ؟ اختلف الفقهاء في ذلك :
يقول الكاسانيّ الحنفيّ : وسواء خرج في أوّل الوقت أو في وسطه أو في آخره ، حتّى لو بقي من الوقت مقدار ما يتّسع لأداء ركعتين ، فإنّه يقصر في ظاهر قول أصحابنا .
وقال إبراهيم النّخعيّ ، ومحمّد بن شجاع الثّلجيّ : إنّما يقصر إذا خرج قبل الزّوال ، فأمّا إذا خرج بعد الزّوال فإنّه يكمل الظّهر ويقصر العصر . والكلام في ذلك مبنيّ على أنّ الصّلاة هل تجب في أوّل الوقت أو في آخره ؟
فعند المحقّقين من الحنفيّة : لا تجب في أوّل الوقت على التّعيين ، وإنّما تجب في جزء من الوقت غير معيّن ، وإنّما التّعيين إلى المصلّي من حيث الفعل ، حتّى إنّه إذا شرع في أوّل الوقت تجب في ذلك الوقت ، وكذلك إذا شرع في وسطه أو في آخره . وثمّة أصل آخر ، وهو مقدار ما يتعلّق به الوجوب في آخر الوقت ، فقال الكرخيّ وأكثر المحقّقين من الحنفيّة: إنّ الوجوب يتعلّق بآخر الوقت بمقدار التّحريمة وهو المختار ، وعليه فإنّ الأداء يتغيّر وإن بقي مقدار ما يسع التّحريمة فقط ، وقال زفر واختاره القدوريّ : لا يجب إلاّ إذا بقي من الوقت مقدار ما يؤدّي فيه الفرض . وعلى ذلك القول فلا يتغيّر الفرض إلاّ إذا بقي من الوقت ما يمكن فيه الأداء .
وعند المالكيّة : تقصر الصّلاة الّتي يسافر في وقتها ولو الضّروريّ ، فيقصر الظّهرين قبل الغروب بثلاث ركعات فأكثر ولو أخّرهما عمداً ، فإذا لم يبق إلاّ بمقدار ركعتين أو ركعة صلّى العصر فقط سفريّةً .
وقال الشّافعيّة : إن سافر وقد بقي من الوقت أقلّ من قدر الصّلاة ، فإن قلنا : إنّه مؤدّ لجميع الصّلاة جاز له القصر ، وإن قلنا : إنّه مؤدّ لما فعل في الوقت قاض لما فعل بعد الوقت لم يجز له القصر .
وقال الحنابلة : إن دخل عليه وقت الصّلاة في الحضر ، ثمّ سافر ، لزمه أن يتمّ ؛ لوجوبها عليه تامّةً بدخول وقتها .
الرّابعة : اشتراط نيّة القصر عند كلّ صلاة :
21 - يشترط للقصر نيّته في التّحريمة ، ومثل نيّة القصر ما لو نوى الظّهر مثلاً ركعتين ، ولم ينو ترخّصاً ، كما قاله الشّافعيّ ، ومثل النّيّة - أيضًا - ما لو قال : أؤدّي صلاة السّفر ، كما قاله المتولّي من الشّافعيّة ، فلو لم ينو ما ذكر ، بأن نوى الإتمام أو أطلق أتمّ ، وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة .
أمّا الحنفيّة : فإنّ نيّة السّفر تجعل فرض المسافر ركعتين ، وهذا يكفي .
وعند المالكيّة : تكفي نيّة القصر في أوّل صلاة يقصرها في السّفر ، ولا يلزم تجديدها فيما بعدها من الصّلوات ، وقيل : إنّه لا بدّ من نيّة القصر عند كلّ صلاة ولو حكماً .
واشترط الشّافعيّة التّحرّز عمّا ينافي نيّة القصر في دوام الصّلاة ، وذلك مثل نيّة الإتمام ، فلو نوى الإتمام بعد نيّة القصر أتمّ ، ولو أحرم قاصراً ثمّ تردّد في أنّه يقصر أم يتمّ ؟ أتمّ . أو شكّ في أنّه نوى القصر أم لا ؟ أتمّ . وإن تذكّر في الحال أنّه نواه ، لأنّه أدّى جزءاً من صلاته حال التّردّد على التّمام ، ولو قام القاصر لثالثة عمداً بلا موجب لإتمام ، كنِيّته أو نيّة إقامة بطلت صلاته .
ونحوهم الحنابلة : فعندهم : إن عزم المسافر في صلاته على ما يلزمه به الإتمام من الإقامة وسفر المعصية لزمه أن يتمّ تغليبًا لكونه الأصل ، أو تاب من سفر المعصية في الصّلاة الّتي أحرم بها سفريّةً لزمه أن يتمّ ، ولا تنفعه نيّة القصر ، وكمن نوى خلف مقيم عالماً بأنّ إمامه مقيم ، وأنّه لا يباح له القصر ، فلم تنعقد .
واشترط الشّافعيّة - أيضاً - : العلم بجواز القصر ، فلو قصر جاهلاً به لم تصحّ صلاته ؛ لتلاعبه .
وعند الحنفيّة : لو اختار الأربع لا يقع الكلّ فرضاً ، بل المفروض ركعتان ، والشّطر الثّاني : يقع تطوّعاً ، حتّى إنّه لو لم يقعد على رأس الرّكعتين قدر التّشهّد فسدت صلاته ؛ لأنّها القعدة الأخيرة في حقّه ، وإذا أتمّ ساهيًا صحّت صلاته ، ووجب عليه سجود السّهو ، وإن كان عمداً وجلس على رأس الرّكعتين صحّت صلاته وأساء لتأخيره السّلام عن مكانه . ويقول المالكيّة : إن نوى المسافر الإقامة القاطعة لحكم السّفر ، وهو في الصّلاة الّتي أحرم بها سفريّةً شفع بأخرى ندباً إن عقد ركعةً وجعلها نافلةً ، ولا تجزئ حضريّة إن أتمّها أربعاً؛ لعدم دخوله عليها ولا تجزئ سفريّة ؛ لتغيّر نيّته في أثنائها .
المكان الّذي يبدأ منه القصر :