تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا أعلم خلافاً بين أهل العلم : أنّ للمريض أن يتخلّف عن الجماعات من أجل المرض ، ولأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا مرض تخلّف عن المسجد ، وقال : مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس » ، ومن ذلك كبر السّنّ الّذي يشقّ معه الإتيان إلى المسجد .

ب - الخوف :

30 - وهو عذر في ترك الجماعة ؛ لما روى ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من سمع النّداء ، فلم يمنعه من اتّباعه عذر ، قالوا : وما العذر يا رسول اللّه ؟ قال : خوف أو مرض ، لم تقبل منه الصّلاة الّتي صلّى » .

والخوف ثلاثة أنواع : خوف على النّفس ، وخوف على المال ، وخوف على الأهل .

الأوّل : أن يخاف على نفسه سلطاناً يأخذه ، أو عدوّاً أو لصّاً أو سبعاً أو دابّةً أو سيلاً أو نحو ذلك ممّا يؤذيه في نفسه ، وفي معنى ذلك أن يخاف غريماً له يلازمه ، ولا شيء معه يوفّيه ؛ لأنّ حبسه بدين هو معسر به ظلم له . فإن كان قادراً على أداء الدّين لم يكن عذراً له ؛ لأنّه يجب إيفاؤه .

ومن ذلك : الخوف من توقيع عقوبة ، كتعزير وقود وحدّ قذف ممّا يقبل العفو . فإن كان يرجو العفو عن العقوبة إن تغيّب أيّاماً عن الجماعة كان ذلك عذراً . فإن لم يرج العفو أو كان الحدّ، ممّا لا يقبل العفو كحدّ الزّنا لم يكن ذلك عذراً ، وهذا كما يقول الشّافعيّة والمالكيّة. واختلف الحنابلة فيمن وجب عليه قصاص ، فلم يعتبره بعضهم عذراً ، واعتبره بعضهم عذرًا إن رجا العفو مجّاناً أو على مال ، وقال القاضي : إن كان يرجو الصّلح على مال فله التّخلّف حتّى يصالح . أمّا الحدود ، فما كان حقّاً لآدميّ كحدّ القذف فالصّحيح عندهم أنّه ليس عذراً في التّخلّف ، لكن ابن مفلح قال في كتابه الفروع : ويتوجّه فيه وجه : إن رجا العفو ، قال في شرح منتهى الإرادات : وجزم به في الإقناع .

أمّا الحدود الّتي لا تقبل العفو فلا تعتبر عذراً .

الثّاني : أن يخاف على ماله من ظالم أو لصّ ، أو يخاف أن يسرق منزله أو يحرق منه شيء ، أو يكون له خبز في تنّور أو طبيخ على نار ، ويخاف حريقه باشتغاله عنه ، أو يكون له غريم إن ترك ملازمته ذهب بماله ، أو يكون له بضاعة أو وديعة عند رجل وإن لم يدركه ذهب ، أو كانت عنده أمانة كوديعة أو رهن أو عاريّة ممّا يجب عليه حفظه ، ويخاف تلفه بتركه . ويدخل في ذلك الخوف على مال الغير .

الثّالث : الخوف على الأهل : من ولد ووالد وزوج إن كان يقوم بتمريض أحدهم ، فإنّ ذلك عذر في التّخلّف عن الجماعة .

ومثل ذلك : القيام بتمريضه الأجنبيّ إذا لم يكن له من يقوم بتمريضه ، وكان يخشى عليه الضّياع لو تركه ، وقد ثبت أنّ ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - استصرخ على سعيد بن زيد ، وهو يتجمّر للجمعة ، فأتاه بالعقيق ، وترك الجمعة .

ج - حضور طعام تشتاقه نفسه وتنازعه إليه :

31 - قال ابن قدامة : إذا حضر العشاء في وقت الصّلاة فالمستحبّ أن يبدأ بالعشاء قبل الصّلاة ؛ ليكون أفرغ لقلبه وأحضر لباله ، ولا يستحبّ أن يعجّل عن عشائه أو غدائه ، فإنّ أنساً روى عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قرب العشاء وحضرت الصّلاة فابدءوا به قبل أن تصلّوا صلاة المغرب ، ولا تعجّلوا عن عشائكم » ، ولا فرق بين أن يخاف فوت الجماعة أو لا يخاف ، فإنّ في بعض ألفاظ حديث أنس : « إذا حضر العشاء وأقيمت الصّلاة فابدءوا بالعشاء » وعن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصّلاة فابدءوا بالعشاء ولا يعجّلنّ حتّى يفرغ منه » . وتعشّى ابن عمر وهو يسمع قراءة الإمام .

قال ابن قدامة : قال أصحابنا : إنّما يقدّم العشاء على الجماعة إذا كانت نفسه تتوق إلى الطّعام كثيراً ، ونحوه قال الشّافعيّ . وقال بظاهر الحديث عمر وابنه وإسحاق وابن المنذر . وقال ابن عبّاس : لا نقوم إلى الصّلاة وفي أنفسنا شيء .

قال ابن عبد البرّ : أجمعوا على أنّه لو صلّى بحضرة الطّعام فأكمل صلاته أنّ صلاته تجزئه .

د - مدافعة أحد الأخبثين :

32 - ومثلهما الرّيح ، فإنّ ذلك عذر يبيح التّخلّف عن الجماعة ، قالت السّيّدة عائشة - رضي الله تعالى عنها - : إنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « لا صلاة بحضرة طعام ، ولا هو يدافعه الأخبثان » ، ولأنّ القيام إلى الصّلاة مع مدافعة أحد الأخبثين يبعده عن الخشوع فيها ويكون مشغولاً عنها .

هـ - أكل ذي رائحة كريهة :

33 - وذلك كبصل وثوم وكرّاث وفجل إذا تعذّر زوال رائحته ، فإنّ ذلك عذر يبيح التّخلّف عن الجماعة ، حتّى لا يتأذّى به النّاس والملائكة ؛ لحديث : « من أكل من هذه البقلة : الثّوم - وقال مرّةً : من أكل البصل والثّوم والكرّاث - فلا يقربنّ مسجدنا ؛ فإنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم » . والمراد أكل هذه الأشياء نيئةً ، ويدخل في ذلك من كانت حرفته لها رائحة مؤذية ، كالجزّار والزّيّات ونحو ذلك . ومثل ذلك من كان به مرض يتأذّى به النّاس ، كجذام وبرص ، ففي كلّ ذلك يباح التّخلّف عن الجماعة .

و - العري :

34 - فمن لم يجد ما يستر ما بين السّرّة والرّكبة فإنّه يباح له التّخلّف عن الجماعة .

وهذا إذا كان من عادة أمثاله الخروج بمثل ذلك ، قال الشّافعيّة وبعض المالكيّة : الأليق بالحنيفيّة السّمحة : أنّه إن وجد ما يليق بأمثاله خرج للجماعة ، وإلاّ فلا .

ز - العمى :

35 - اعتبر الحنفيّة أنّ العمى عذر يبيح التّخلّف عن الجماعة وإن وجد قائداً .

ولم يعتبره جمهور الفقهاء عذراً إلاّ أن لا يجد قائداً ، ولم يهتد للطّريق بنفسه .

ح - إرادة السّفر :

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١٤٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١٤٣٣