قال النّوويّ : الصّدقة مستحبّة ، وفي شهر رمضان آكد ، وكذا عند الأمور المهمّة ، وعند الكسوف ، وعند المرض ، والسّفر ، وبمكّة ، والمدينة ، وفي الغزو والحجّ ، والأوقات الفاضلة، كعشر ذي الحجّة ، وأيّام العيد ، ومثل ذلك ما قاله البهوتيّ وغيره من الفقهاء .
ما يتعلّق بالصّدقة من أحكام :
9 - الكلام عن الصّدقة يستوجب التّطرّق للأمور التّالية :
أ - المتصدّق : وهو ، من يدفع الصّدقة ويخرجها من ماله .
ب - المتصدّق عليه : وهو من يأخذ الصّدقة من الغير .
ج - المتصدّق به : وهو المال الّذي يتطوّع بالتّصدّق به .
د - النّيّة : وتفصيل ذلك فيما يلي :
أوّلاً : المتصدّق :
10 - صدقة التّطوّع : تبرّع ، فيشترط فيها :
أ - أن يكون المتصدّق من أهل التّبرّع ، أي : عاقلاً بالغاً رشيداً ، ذا ولاية في التّصرّف .
وعلى ذلك فلا تصحّ صدقة التّطوّع من الصّغير ، والمجنون ، والمحجور عليه بسفه أو دين أو غيرهما من أسباب الحجر ، أمّا الصّغير غير المميّز فإنّه ليس من أهل التّصرّف أصلاً ، كما صرّح به الفقهاء والأصوليّون .
وأمّا الصّغير المميّز : فإنّ الصّدقة منه تعتبر من التّصرّفات الضّارّة ضرراً محضاً ، وقد ذهب الفقهاء إلى أنّ التّصرّفات الضّارّة ضرراً دنيويّاً ، والّتي يترتّب عليها خروج شيء من ملكه من غير مقابل ، كالهبة ، والصّدقة ، والوقف ، وسائر التّبرّعات لا تصحّ ، بل تقع باطلةً ، حتّى لو أذن الوليّ أو الوصيّ ، لأنّ إجازتهما في التّصرّفات الضّارّة لاغية ، وقد استثنى المالكيّة ، والحنابلة ، وصيّة الصّبيّ المميّز الّذي يعقل الوصيّة .
وأمّا المحجور عليهم للسّفه ، أو الإفلاس ، أو غيرهما فهم ممنوعون من التّصرّف فلا تصحّ منهم الصّدقة وهذا في الجملة ، وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( حجر ) .
وكما لا تصحّ صدقة التّطوّع من الصّبيّ ، والمجنون ، والمحجور عليه ، لا تصحّ الصّدقة من أموالهم من قبل أوليائهم نيابةً عنهم ، لأنّهم لا يملكون التّبرّع من أموال من تحت ولايتهم .
ب - أن يكون مالكاً للمال المتصدّق به ، أو وكيلاً عنه ، فلا تصحّ الصّدقة من مال الغير بلا وكالة . ومن فعل ذلك يضمن ما تصدّق به ، لأنّه ضيّع مال الغير على صاحبه بغير إذنه ، يقول التّمرتاشيّ : شرائط صحّة الهبة في الواهب : العقل ، والبلوغ ، والملك .
ثمّ قال : والصّدقة كالهبة بجامع التّبرّع ولأنّ الصّدقة من القربات فتشترط فيها النّيّة ، وهي منتفية فيما إذا تصدّق من مال الغير دون إذنه .
صدقة المرأة من مال زوجها :
11 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للمرأة أن تتصدّق من بيت زوجها للسّائل وغيره بما أذن الزّوج صريحاً .
كما يجوز التّصدّق من مال الزّوج بما لم يأذن فيه ، ولم ينه عنه إذا كان يسيراً عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو الرّاجح عند الحنابلة - .
ويستدلّ الفقهاء على الجواز بما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة ، كان لها أجرها وله مثله بما اكتسب ، ولها بما أنفقت ، وللخازن مثل ذلك ، من غير أن ينتقص من أجورهم شيئاً « ولم يذكر إذناً .
وعن أسماء - رضي الله عنها - أنّها جاءت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبيّ اللّه ، ليس لي شيء إلاّ ما أدخل عليّ الزّبير فهل عليّ جناح أن أرضخ ممّا يدخل عليّ ؟ فقال : » ارضخي ما استطعت ، ولا توعي فيوعي اللّه عليك « .
ولأنّ الشّيء اليسير غير ممنوع عنه في العادة كما علّله المرغينانيّ والنّوويّ وابن العربيّ .
قال في الهداية : يجوز للمرأة أن تتصدّق من منزل زوجها بالشّيء اليسير ، كالرّغيف ونحوه ، لأنّ ذلك غير ممنوع عنه في العادة ومثله ما ذكره الحصكفيّ .
ويقول النّوويّ في شرحه لصحيح مسلم : الإذن ضربان :
أحدهما : الإذن الصّريح في النّفقة والصّدقة ، والثّاني : الإذن المفهوم من اطّراد العرف والعادة ، كإعطاء السّائل كسرة ونحوها ممّا جرت العادة به ، واطّرد العرف فيه ، وعلم بالعرف رضا الزّوج والمالك به ، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلّم .
ومثله ما حرّره ابن العربيّ حيث قال : ويحتمل عندي أن يكون محمولاً على العادة . وأنّها إذا علمت منه ، أنّه لا يكره العطاء والصّدقة فعلت من ذلك ما لم يجحف ، وعلى ذلك عادة النّاس ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : » غير مفسدة « .
ويقول ابن قدامة : الإذن العرفيّ يقوم مقام الإذن الحقيقيّ ، فصار كأنّه قال لها : افعلي .
هذا وفي الرّواية الثّانية عند الحنابلة : لا يجوز للمرأة التّصدّق من مال زوجها ولو كان يسيراً ، لما روى أبو أمامة الباهليّ قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : { لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إلاّ بإذن زوجها ، قيل : يا رسول اللّه : ولا الطّعام ؟ قال : ذاك أفضل أموالنا « .
قال ابن قدامة : والأوّل - أي الجواز بالشّيء اليسير - أصحّ ، لأنّ الأحاديث فيها خاصّة صحيحة ، والخاصّ يقدّم على العامّ .
أمّا إذا منعها من الصّدقة من ماله ، ولم يكن العرف جارياً بذلك ، أو اضطرب العرف ، أو شكّت في رضاه ، أو كان شخصاً يشحّ بذلك ، لم يجز للمرأة وغيرها التّصدّق من ماله إلاّ بصريح إذنه، كما حقّقه النّوويّ وغيره .