وفرّق الشّافعيّة بين الجنون والإغماء ، فالمذهب : أنّه لو جنّ في أثناء النّهار بطل صومه ، وقيل : هو كالإغماء .
وأمّا الرّدّة بعد نيّة الصّوم فتبطل الصّوم بلا خلاف .
سنن الصّوم ومستحبّاته :
35 - سنن الصّوم ومستحبّاته كثيرة ، أهمّها :
أ - السّحور ، وقد ورد فيه حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » تسحّروا فإنّ في السّحور بركةً « .
ب - تأخير السّحور ، وتعجيل الفطر ، وممّا ورد فيه حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » لا يزال النّاس بخير ما عجّلوا الفطر « .
وحديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - : » تسحّرنا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ قام إلى الصّلاة . قلت : كم كان بين الأذان والسّحور ؟ قال : قدر خمسين آيةً « .
ج – ويستحبّ أن يكون الإفطار على رطبات ، فإن لم تكن فعلى تمرات ، وفي هذا ورد حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال : » كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلّي على رطبات ، فإن لم تكن رطبات فتميرات ، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء « .
وورد فيه حديث عن سلمان بن عامر الضّبّيّ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر ، فإنّه بركة ، فمن لم يجد فليفطر على ماء، فإنّه طهور « .
د - ويستحبّ أن يدعو عند الإفطار ، فقد ورد عن عبد اللّه بن عمرو رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً : » إنّ للصّائم دعوةً لا تردّ « .
وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال: » ذهب الظّمأ ، وابتلّت العروق ، وثبت الأجر إن شاء اللّه تعالى « .
وهناك فضائل من خصائص شهر رمضان كالتّراويح ، والإكثار من الصّدقات ، والاعتكاف ، وغيرها تنظر في مصطلحاتها .
36 - ومن أهمّ ما ينبغي أن يترفّع عنه الصّائم ويحذره : ما يحبط صومه من المعاصي الظّاهرة والباطنة ، فيصون لسانه عن اللّغو والهذيان والكذب ، والغيبة والنّميمة ، والفحش والجفاء ، والخصومة والمراء ، ويكفّ جوارحه عن جميع الشّهوات والمحرّمات ، ويشتغل بالعبادة ، وذكر اللّه ، وتلاوة القرآن وهذا كما يقول الغزاليّ : هو سرّ الصّوم .
وفي الصّحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » قال اللّه تعالى : كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصّيام ، فإنّه لي وأنا أجزي به ، والصّيام جنّة ، وإذا كان يوم صوم أحدكم ، فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابّه أحد أو قاتله ، فليقل : إنّي امرؤ صائم « ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » الصّيام جنّة ، ما لم يخرقها بكذب أو غيبة « .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » من لم يدع قول الزّور ، والعمل به ، فليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه « .
مفسدات الصّوم :
37 - يفسد الصّوم - بوجه عامّ - كلّما انتفى شرط من شروطه ، أو اختلّ أحد أركانه ، كالرّدّة ، وكطروء الحيض والنّفاس ، وكلّ ما ينافيه من أكل وشرب ونحوهما ، ودخول شيء من خارج البدن إلى جوف الصّائم .
38 - ويشترط في فساد الصّوم بما يدخل إلى الجوف ما يلي :
أ - أن يكون الدّاخل إلى الجوف ، من المنافذ الواسعة - كما قيّده بذلك المالكيّة - والمفتوحة - كما قال الشّافعيّة - أي : المخارق الطّبيعيّة الأصليّة في الجسم ، والّتي تعتبر موصّلةً للمادّة من الخارج إلى الدّاخل ، كالفم والأنف والأذن .
وقد استدلّ لذلك ، بالاتّفاق على أنّ من اغتسل في ماء ، فوجد برده في باطنه لا يفطر ، ومن طلى بطنه بدهن لا يضرّ ، لأنّ وصوله إلى الجوف بتشرّب .
ولم يشترط الحنابلة ذلك ، بل اكتفوا بتحقّق وصوله إلى الحلق والجوف ، والدّماغ جوف .
ب - أن يكون الدّاخل إلى الجوف ممّا يمكن الاحتراز عنه ، كدخول المطر والثّلج بنفسه حلق الصّائم إذا لم يبتلعه بصنعه ، فإن لم يمكن الاحتراز عنه - كالذّباب يطير إلى الحلق ، وغبار الطّريق - لم يفطر إجماعاً .
وهذا استحسان ، والقياس : الفساد ، لوصول المفطر إلى جوفه .
وجه الاستحسان ، أنّه لا يستطاع الاحتراز عنه ، فأشبه الدّخان .
والجوف هو : الباطن ، سواء أكان ممّا يحيل الغذاء والدّواء ، أي يغيّرهما كالبطن والأمعاء، أم كان ممّا يحيل الدّواء فقط كباطن الرّأس أو الأذن ، أم كان ممّا لا يحيل شيئاً كباطن الحلق.
قال النّوويّ : جعلوا الحلق كالجوف ، في بطلان الصّوم بوصول الواصل إليه ، وقال الإمام : إذا جاوز الشّيء الحلقوم أفطر .
قال : وعلى الوجهين جميعاً : باطن الدّماغ والأمعاء والمثانة ممّا يفطر الوصول إليه .
ج - والجمهور على أنّه لا يشترط أن يكون الدّاخل إلى الجوف مغذّياً ، فيفسد الصّوم بالدّاخل إلى الجوف ، ممّا يغذّي أو لا يغذّي ، كابتلاع التّراب ونحوه ، وإن فرّق بينهما بعض المالكيّة ، قال ابن رشد : وتحصيل مذهب مالك ، أنّه يجب الإمساك عمّا يصل إلى الحلق ، من أيّ المنافذ وصل ، مغذّياً كان أو غير مغذّ .
د - وشرط كون الصّائم قاصداً ذاكراً لصومه ، أمّا لو كان ناسياً أنّه صائم ، فلا يفسد صومه عند الجمهور ، وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » من نسي وهو صائم ، فأكل أو شرب ، فليتمّ صومه ، فإنّما أطعمه اللّه وسقاه« .
ويستوي في ذلك الفرض والنّفل لعموم الأدلّة .