تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

108 - اختلف الفقهاء في بطلان صلاة من خاطب أحداً بشيء من القرآن وهو يصلّي ، كقوله لمن اسمه يحيى أو موسى : ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ أو ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾ ، أو لمن بالباب ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ . فذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إلى بطلان الصّلاة بكلّ ما قصد به الخطاب من القرآن ، قال ابن عابدين : والظّاهر أنّها تفسد وإن لم يكن المخاطب مسمّىً بهذا الاسم إذا قصد خطابه .

وقيّد المالكيّة بطلان الصّلاة بالخطاب بالقرآن بما إن قصد به التّفهيم بغير محلّه . وذلك كما لو كان في الفاتحة أو غيرها فاستؤذن عليه فقطعها إلى آية ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ ﴾ ، أمّا إن قصد التّفهيم به بمحلّه فلا تبطل به الصّلاة كأن يستأذن عليه شخص وهو يقرأ ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ فيرفع صوته بقوله : ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ ﴾ لقصد الإذن في الدّخول ، أو يبتدئ ذلك بعد الفراغ من الفاتحة .

وقيّد الشّافعيّة بطلان الصّلاة بالخطاب بالقرآن بما إذا قصد التّفهيم فقط ، أو لم يقصد شيئاً ، لأنّه فيهما يشبه كلام الآدميّين فلا يكون قرآناً إلاّ بالقصد ، وأمّا إن قصد مع التّفهيم القراءة لم تبطل الصّلاة ، لأنّه قرآن فصار كما لو قصد القرآن وحده ، ولأنّ عليّاً - رضي الله تعالى عنه - كان يصلّي فدخل رجل من الخوارج فقال : لا حكم إلاّ للّه ولرسوله ، فتلا عليّ ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ .

قال الخطيب الشّربينيّ : وهذا التّفصيل يجري في الفتح على الإمام بالقرآن ، والجهر بالتّكبير أو التّسميع ، فإنّه إن قصد الرّدّ مع القراءة أو القراءة - فقط - أو قصد التّكبير أو التّسميع - فقط - مع الإعلام لم تبطل وإلاّ بطلت ، وإن كان في كلام بعض المتأخّرين ما يوهم خلاف ذلك .

وذهب الحنابلة إلى صحّة صلاة من خاطب بشيء من القرآن ، لما روى الخلّال عن عطاء بن السّائب قال : استأذنّا على عبد الرّحمن بن أبي ليلى وهو يصلّي فقال ﴿ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ ﴾ فقلنا : كيف صنعت ؟ قال : استأذنّا على عبد اللّه بن مسعود وهو يصلّي فقال : ﴿ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ ﴾ ، ولأنّه قرآن فلم تفسد به الصّلاة ، كما لو لم يقصد التّنبيه . وقال القاضي : إذا قصد بالحمد الذّكر أو القرآن لم تبطل ، وإن قصد خطاب آدميّ بطلت ، وإن قصدهما فوجهان ، فأمّا إن أتى بما لا يتميّز به القرآن من غيره كقوله لرجل اسمه إبراهيم : يا إبراهيم ونحوه فسدت صلاته ، لأنّ هذا كلام النّاس ، ولم يتميّز عن كلامهم بما يتميّز به القرآن ، أشبه ما لو جمع بين كلمات مفرّقة من القرآن فقال : يا إبراهيم خذ الكتاب الكبير .

كما ذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى بطلان الصّلاة بكلّ ما قصد به الجواب من الذّكر والثّناء خلافاً لأبي يوسف ، كأن قيل : أمع اللّه إله ؟ فقال : لا إله إلاّ اللّه . أو ما مالك ؟ فقال : الخيل والبغال والحمير ، وأمّا إن كان الجواب بما ليس بثناء فإنّها تفسد اتّفاقاً ، كأن قيل : ما مالك ؟ فقال : الإبل والبقر والعبيد مثلاً ، لأنّه ليس بثناء ، ومثله ما لو أخبر بخبر سوء فاسترجع وهو في الصّلاة فإنّها تفسد عند أبي حنيفة ومحمّد خلافاً لأبي يوسف ، قال ابن عابدين : لأنّ الأصل عنده أنّ ما كان ثناءً أو قرآنًا لا يتغيّر بالنّيّة ، وعندهما يتغيّر ، وذكر في البحر : أنّه لو أخبر بخبر يسرّه فقال : الحمد للّه فهو على الخلاف ، وصرّحوا بأنّ تشميت العاطس في الصّلاة لغيره يفسد الصّلاة . فلو عطس شخص فقال له المصلّي : يرحمك اللّه فسدت صلاته ، لأنّه يجري في مخاطبات النّاس فكان من كلامهم ، بخلاف ما إذا قال العاطس أو السّامع : الحمد للّه فإنّه لا تفسد صلاته ، لأنّه لم يتعارف جواباً إلاّ إذا أراد التّعليم فإنّ صلاته تفسد ، وأمّا إذا عطس فشمّت نفسه فقال : يرحمك اللّه يا نفسي لا تفسد صلاته ، لأنّه لمّا لم يكن خطاباً لغيره لم يعتبر من كلام النّاس كما إذا قال : يرحمني اللّه . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا تبطل الصّلاة بالذّكر والدّعاء إلاّ أن يخاطب كقوله لعاطس : يرحمك اللّه ويستثنى من ذلك الخطاب للّه تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فلا تبطل به الصّلاة . وأمّا إذا كان الذّكر لا خطاب فيه فلا تبطل به الصّلاة ، كما لو عطس فقال: الحمد للّه . أو سمع ما يغمّه فقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، أو رأى ما يعجبه فقال : سبحان اللّه ، أو قيل له : ولد لك غلام فقال : الحمد للّه .

وصرّح الحنابلة بكراهة ذلك ، للاختلاف في إبطاله الصّلاة .

وذهب المالكيّة إلى جواز الحمد للعاطس ، والاسترجاع من مصيبة أخبر بها ونحوه إلاّ أنّه يندب تركه كما صرّحوا بجواز التّسبيح والتّهليل والحوقلة بقصد التّفهيم في أيّ محلّ من الصّلاة ، لأنّ الصّلاة كلّها محلّ لذلك .

ج - التّأوّه والأنين والتّأفيف والبكاء والنّفخ والتّنحنح :

109 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ الأنين " وهو قول : أه بالقصر " والتّأوّه " وهو قول: آه بالمدّ " والبكاء ونحوه إن ظهر به حرفان بطلت الصّلاة .

واستثنى الحنفيّة المريض الّذي لا يملك نفسه فلا تبطل صلاته بالأنين والتّأوّه والتّأفيف والبكاء ، وإن حصل حروف للضّرورة .

قال أبو يوسف : إن كان الأنين من وجع ، ممّا يمكن الامتناع عنه يقطع الصّلاة ، وإن كان ممّا لا يمكن لا يقطع ، وعن محمّد إن كان المرض خفيفاً يقطع ، وإلاّ فلا ، لأنّه لا يمكنه القعود إلاّ بالأنين .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١٣٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١٣٥٢