وأمّا الحالة الثّانية : فقد اختلف الفقهاء فيها - وهي : ترك الصّلاة تهاوناً وكسلاً لا جحوداً- فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يقتل حدّاً أي أنّ حكمه بعد الموت حكم المسلم فيغسّل ، ويصلّى عليه ، ويدفن مع المسلمين ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه ويقيموا الصّلاة ويؤتوا الزّكاة ، فإن فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ الإسلام وحسابهم على اللّه » ولأنّه تعالى أمر بقتل المشركين ثمّ قال : ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم : « خمس صلوات كتبهنّ اللّه على العباد فمن جاء بهنّ لم يضيّع منهنّ شيئاً استخفافاً بحقّهنّ كان له عند اللّه عهد أن يدخله الجنّة ، ومن لم يأت بهنّ فليس له عند اللّه عهد إن شاء عذّبه وإن شاء أدخله الجنّة » فلو كفر لم يدخل تحت المشيئة . وذهب الحنفيّة إلى أنّ تارك الصّلاة تكاسلاً عمداً فاسق لا يقتل بل يعزّر ويحبس حتّى يموت أو يتوب .
وذهب الحنابلة : إلى أنّ تارك الصّلاة تكاسلاً يدعى إلى فعلها ويقال له : إن صلّيت وإلاّ قتلناك ، فإن صلّى وإلاّ وجب قتله ولا يقتل حتّى يحبس ثلاثاً ويدعى في وقت كلّ صلاة ، فإن صلّى وإلاّ قتل حدّاً ، وقيل كفراً ، أي لا يغسّل ولا يصلّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين . لكن لا يرقّ ولا يسبى له أهل ولا ولد كسائر المرتدّين . لما روى جابر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّ بين الرّجل وبين الشّرك والكفر ترك الصّلاة » وروى بريدة « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : من تركها فقد كفر » وروى عبادة مرفوعاً « من ترك الصّلاة متعمّداً فقد خرج من الملّة » وكلّ شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء .
ولأنّه يدخل بفعلها في الإسلام ، فيخرج بتركها منه كالشّهادتين .
وقال عمر رضي الله عنه : " لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصّلاة " ، وكذا عندهم لو ترك ركناً أو شرطاً مجمعاً عليه كالطّهارة والرّكوع والسّجود ، ولا يقتل بترك صلاة فائتة .
كما اختلف القائلون بالقتل في محلّه .
فمحلّه عند المالكيّة هو بقاء ركعة بسجدتيها من الوقت الضّروريّ إن كان عليه فرض واحد فقط . قال مالك : إن قال : أصلّي ولم يفعل قتل بقدر ركعة قبل طلوع الشّمس للصّبح ، وغروبها للعصر ، وطلوع الفجر للعشاء ، فلو كان عليه فرضان مشتركان أخّر لخمس ركعات في الظّهرين ، ولأربع في العشاءين .
وهذا في الحضر ، أمّا في السّفر فيؤخّر لثلاث في الظّهرين وأربع في العشاءين .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ محلّ القتل هو إخراجها عن وقتها الضّروريّ فيما له وقت ضرورة - بأن يجمع مع الثّانية في وقتها - فلا يقتل بترك الظّهر حتّى تغرب الشّمس ، ولا بترك المغرب حتّى يطلع الفجر ، ويقتل في الصّبح بطلوع الشّمس ، وفي العصر بغروبها ، وفي العشاء بطلوع الفجر ، فيطالب بأدائها إذا ضاق الوقت ويتوعّد بالقتل إن أخّرها عن الوقت ، فإن أخّر وخرج الوقت استوجب القتل ، وصرّحوا بأنّه يقتل بعد الاستتابة ، لأنّه ليس أسوأ حالاً من المرتدّ .
والاستتابة تكون في الحال ، لأنّ تأخيرها يفوّت صلوات ، وقيل : يمهل ثلاثة أيّام . والقولان في النّدب ، وقيل في الوجوب .
شروط الصّلاة :
تقسيمات الشّروط عند الفقهاء :
6 - قسّم الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة شروط الصّلاة إلى : شروط وجوب ، وشروط صحّة ، وزاد المالكيّة قسماً ثالثاً هو : شروط وجوب وصحّة معاً .
شروط وجوب الصّلاة :
أ - الإسلام :
7 - تجب الصّلاة على كلّ مسلم ذكر أو أنثى . ولا تجب على الكافر الأصليّ ، لأنّها لو وجبت عليه حال كفره لوجب عليه قضاؤها ، لأنّ وجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء ، واللّازم منتف ، ويترتّب على هذا أنّا لا نأمر الكافر بالصّلاة في كفره ولا بقضائها إذا أسلم ، لأنّه أسلم خلق كثير في عهد النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده فلم يؤمر أحد بقضاء الصّلاة ، ولما فيه من التّنفير عن الإسلام ، ولقول اللّه تعالى : ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ قال الشّيخ العدويّ : هذا بناءً على أنّ الكفّار غير مكلّفين . وعلى القول بتكليفهم وهو المعتمد فهو شرط صحّة .
وقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ الصّلاة لا تجب على الكافر الأصليّ وجوب مطالبة بها في الدّنيا ، لعدم صحّتها منه ، لكن يعاقب على تركها في الآخرة زيادةً على كفره ، لتمكّنه من فعلها بالإسلام .
واختلف الفقهاء في وجوب الصّلاة على المرتدّ .
فذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة : - إلى أنّ الصّلاة لا تجب على المرتدّ فلا يقضي ما فاته إذا رجع إلى الإسلام ، لأنّه بالرّدّة يصير كالكافر الأصليّ .
وذهب الشّافعيّة إلى وجوب الصّلاة على المرتدّ على معنى أنّه يجب عليه قضاء ما فاته زمن الرّدّة بعد رجوعه إلى الإسلام تغليظاً عليه ، ولأنّه التزمها بالإسلام فلا تسقط عنه بالجحود كحقّ الآدميّ .
ب - العقل :
8 - يشترط لوجوب الصّلاة على المرء أن يكون عاقلاً ، فلا تجب على المجنون باتّفاق الفقهاء . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاث : عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن المبتلى وفي رواية : المعتوه حتّى يبرأ ، وعن الصّبيّ حتّى يكبر » .
واختلفوا فيمن تغطّى عقله أو ستر بمرض أو إغماء أو دواء مباح .
فذهب الحنفيّة : إلى التّفريق بين أن يكون زوال العقل بآفة سماويّة ، أو بصنع العبد .