النّوع الثّالث : السّؤر النّجس المتّفق على نجاسته في المذهب وهو سؤر الكلب والخنزير وسائر سباع البهائم . أمّا الخنزير فلأنّه نجس العين لقوله تعالى : ﴿ فَإنَّهُ رِجْسٌ ﴾ الآية . ولعابه يتولّد من لحمه النّجس . وأمّا الكلب فلأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الإناء من ولوغه سبع مرّات ، ولسانه يلاقي الماء أو ما يشربه من المائعات الأخرى دون الإناء فكان أولى بالنّجاسة ، ولأنّه يمكن الاحتراز عن سؤرهما وصيانة الأواني عنهما ، ولأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الماء وما ينوبه من السّباع ؟ قال : إذا كان الماء قلّتين فإنّه لا ينجس » . ولو كانت طاهرةً لم يحدّه بالقلّتين .
ولما روي أنّ عمر رضي الله عنه خرج في ركب فيه عمرو بن العاص حتّى وردا حوضاً فقال عمرو بن العاص : يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السّباع ؟ فقال عمر : يا صاحب الحوض لا تخبره فإنّنا نرد على السّباع وترد علينا . ولو لم يكن الماء يتنجّس بشربها منه لم يكن للسّؤال ولا للنّهي عن الجواب معنىً ، ولأنّ هذه الحيوانات غير مأكولة اللّحم ويمكن صون الأواني منها ، وعند شربها يختلط لعابها بالمشروب ولعابها نجس لتحلّبه من لحمها وهو نجس ، فكان سؤرها نجساً .
النّوع الرّابع : المشكوك في طهارة سؤره وهو الحمار الأهليّ والبغل فسؤرهما مشكوك في طهارته ونجاسته لتعارض الأدلّة ، فالأصل في سؤرهما النّجاسة ، لأنّه لا يخلو سؤرهما عن لعابهما ، ولعابهما متحلّب من لحمهما ولحمهما نجس ، ولأنّ عرقه طاهر لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار معرورياً والحرّ حرّ الحجاز ، ويصيب العرق ثوبه ، وكان يصلّي في ذلك الثّوب » . فإذا كان العرق طاهراً فالسّؤر أولى .
وقد تعارضت الآثار في طهارة سؤر الحمار ونجاسته ، فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه كان يقول : الحمار يعتلف القتّ والتّبن فسؤره طاهر . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان يقول : إنّه رجس ، وتعارضت الأخبار في أكل لحمه ولبنه كما تعارض تحقّق أصل الضّرورة فيه ، لأنّه ليس في المخالطة كالهرّة فلا يعلو الغرف ولا يدخل المضائق ، وليس في المجانبة كالكلب ، فوقع الشّكّ في وقوع حكم الأصل ، والتّوقّف في الحكم عند تعارض الأدلّة واجب ، ولذلك كان مشكوكاً فيه فلا ينجّس سؤره الأشياء الطّاهرة ، ولا يطهر به النّجس ، وعند عدم الماء يتوضّأ بسؤره ويتيمّم احتياطاً ، وأيّهما قدّم جاز ، لأنّ المطهّر منهما غير متيقّن ، فلا فائدة في التّرتيب .
وقال زفر : يبدأ بالوضوء بسؤر الحمار أو البغل ليصير عادماً للماء حقيقةً .
والتّفاصيل في مصطلح : ( نجاسة ، طعام ، طهارة ) .
4 - وذهب الشّافعيّة إلى أنّ سؤر جميع الحيوانات من الأنعام ، والخيل والبغال والحمير والسّباع والهرّة والفئران والطّيور والحيّات وسام أبرص ، وسائر الحيوانات المأكولة وغير المأكولة - سؤر هذه الحيوانات طاهر لا كراهة فيه إلاّ الكلب والخنزير وما تولّد منهما أو من أحدهما . فإذا ولغ أحد هذه الحيوانات في طعام جاز أكله بلا كراهة ، وإذا شرب من ماء جاز الوضوء به بلا كراهة .
واستدلّوا لذلك بقوله تعالى : ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ لأنّ في تنجيس سؤر هذه الحيوانات حرجاً ، ويعسر الاحتراز عن بعضها كالهرّة ونحوها من سواكن البيوت . ولما ورد عن كبشة زوجة أبي قتادة رضي الله عنهما « أنّ أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءً فجاءت هرّة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتّى شربت ، قالت كبشة : فرآني أنظر إليه ، فقال : أتعجبين يا ابنة أخي ؟ فقلت : نعم . فقال إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : إنّها ليست بنجس إنّما هي من الطّوّافين عليكم أو الطّوّافات » .
ولما روي عن جابر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قيل له : أنتوضّأ بما فضلت الحمر ؟ قال : وبما أفضلت السّباع » .
وعن عمرو بن خارجة رضي الله عنه قال : « خطب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ناقته ، وإنّ لعابها يسيل بين كتفي » .
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض الّتي بين مكّة والمدينة تردها السّباع والكلاب والحمر ، وعن الطّهارة منها ، فقال صلى الله عليه وسلم : لها ما حملت في بطونها ، ولنا ما غبر طهور » ولقول عمر المتقدّم وفيه فإنّنا نرد على السّباع وترد علينا .
أمّا الكلب والخنزير وما تفرّع منهما أو من أحدهما فسؤره نجس ، لقوله تعالى في الخنزير : ﴿ فَإنَّهُ رِجْسٌ ﴾ الآية ولقوله صلى الله عليه وسلم في الكلب : « طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات أولاهنّ بالتّراب » وفي رواية « فليرقه » أي الماء الّذي ولغ فيه . والإراقة للماء إضاعة مال ، فلو كان الماء طاهراً لما أمر بإراقته إذ قد نهى عن إضاعة المال .
وإن رأى شخص هرّةً أو نحوها تأكل نجاسةً ثمّ وردت على ماء قليل أي لا يبلغ قلّتين فشربت منه ففيه ثلاثة أوجه عند الشّافعيّة :
أصحّها : أنّه إن غابت ثمّ رجعت لم ينجس الماء لأنّه يجوز أن تكون قد وردت على ماء كثير فطهر فمها ولأنّا - في هذه الحالة - قد تيقّنّا طهارة الماء وشككنا في نجاسة فمها ، فلا ينجس الماء المتيقّن بالشّكّ .
والثّاني : ينجس الماء لأنّا تيقّنّا نجاسة فمها .