تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 - ابن السّبيل : ويستردّ منه ما أخذه إن لم يخرج ، ما لم يكن فقيرًا ببلده ، وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويعتبر له عند الشّافعيّة ثلاثة أيّامٍ ، وفي قولٍ : تمام السّنة . قالوا : ويردّ ما أخذ لو سافر ثمّ عاد ولم يصرف ما أخذه ، وقال المالكيّة : إنّما تنزع منه إن كانت باقيةً ، فإن كان أنفقها لم يطالب ببدلها . وظاهر كلام الحنفيّة أنّه لا يلزم بالرّدّ ; لأنّهم قالوا : لا يلزمه التّصدّق بما فضل في يده .

حكم من أخذ الزّكاة وليس من أهلها :

188 - لا يحلّ لمن ليس من أهل الزّكاة أخذها وهو يعلم أنّها زكاة ، إجماعًا . فإن أخذها فلم تستردّ منه فلا تطيب له ، بل يردّها أو يتصدّق بها ; لأنّها عليه حرام ، وعلى دافع الزّكاة أن يجتهد في تعرّف مستحقّي الزّكاة ، فإن دفعها بغير اجتهاده ، أو كان اجتهاده أنّه من غير أهلها وأعطاه لم تجزئ عنه ، إن تبيّن الآخذ من غير أهلها ، والمراد بالاجتهاد النّظر في أمارات الاستحقاق ، فلو شكّ في كون الآخذ فقيرًا فعليه الاجتهاد كذلك .

189 - أمّا إن اجتهد فدفع لمن غلب على ظنّه أنّه من أهل الزّكاة فتبيّن عدم كونه من أهلها ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك ، فقال بعضهم : تجزئه ، وقال آخرون : لا تجزئه ، على تفصيلٍ يختلف من مذهبٍ إلى مذهبٍ . فعند أبي حنيفة ومحمّدٍ : إن دفع الزّكاة إلى من يظنّه فقيرًا ثمّ بان أنّه غنيّ أو هاشميّ أو كافر ، أو دفع في ظلمةٍ ، فبان أنّ الآخذ أبوه ، أو ابنه فلا إعادة عليه ، لحديث معن بن يزيد قال : ﴿ كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدّق بها فوضعها عند رجلٍ في المسجد ، فجئت فأخذتها فأتيته بها ، فقال : واللّه ما إيّاك أردت ، فخاصمته إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : لك ما نويت يا يزيد ، ولك ما أخذت يا معن ﴾ . ولأنّا لو أمرناه بالإعادة أفضى إلى الحرج ; لأنّه ربّما تكرّر خطؤه ، واستثنوا من هذا أن يتبيّن الآخذ غير أهلٍ للتّمليك أصلًا ، نحو أن يتبيّن أنّ الآخذ عبده أو مكاتبه ، فلا تجزئ في هذا الحال . وقال أبو يوسف : لا تجزئه إن تبيّن أنّ الآخذ ليس من المصارف ، لظهور خطئه بيقينٍ مع إمكان معرفة ذلك ، كما لو تحرّى في ثيابٍ فبان أنّه صلّى في ثوبٍ نجسٍ . وفصّل المالكيّة بين حالين : الأولى : أن يكون الدّافع الإمام أو مقدّم القاضي أو الوصيّ ، فيجب استردادها ، لكن إن تعذّر ردّها ، أجزأت ، لأنّ اجتهاد الإمام حكم لا يتعقّب . والثّانية : أن يكون الدّافع ربّ المال فلا تجزئه ، فإن استردّها وأعطاها في وجهها ، وإلاّ فعليه الإخراج مرّةً أخرى ، وإنّما يستحقّ استردادها إن فوّتها الآخذ بفعله ، بأن أكلها ، أو باعها ، أو وهبها ، أو نحو ذلك . أمّا إن فاتت بغير فعله بأن تلفت بأمرٍ سماويٍّ ، فإن كان غرّ الدّافع بأن أظهر له الفقر ، أو نحو ذلك فيجب عليه ردّها أيضًا ، أمّا إن لم يكن غرّه فلا يجب عليه الرّدّ . وقال الشّافعيّة : يجب الاسترداد ، وعلى الآخذ الرّدّ ، سواء علم أنّها زكاة أم لا ، فإن استردّت صرفت إلى المستحقّين ، وإن لم يمكن الاسترداد فإن كان الّذي دفعها الإمام لم يضمن ، وإن كان الّذي دفعها المالك ضمن ، وهذا هو المقدّم عندهم ، وفي بعض صور المسألة عندهم أقوال أخرى . وقال الحنابلة : إن بان الآخذ عبدًا أو كافرًا أو هاشميًّا ، أو قرابةً للمعطي ممّن لا يجوز الدّفع إليه ، فلا تجزئ الزّكاة عن دافعها روايةً واحدةً ; لأنّه ليس بمستحقٍّ ، ولا تخفى حاله غالبًا ، فلم يجزه الدّفع إليه ، كديون الآدميّين . أمّا إن كان ظنّه فقيرًا فبان غنيًّا فكذلك على روايةٍ ، والأخرى يجزئه ، لحديث معن بن يزيد المتقدّم ، وحديث أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ قال رجل : لأتصدّقنّ بصدقةٍ ، فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيٍّ ، فأصبحوا يتحدّثون : تصدّق على غنيٍّ ... . الحديث وفيه : فأتي فقيل له : أمّا صدقتك فقد قبلت ، لعلّ الغنيّ يعتبر فينفق ممّا آتاه اللّه ﴾ . ولأنّ تخفى غالبًا .

من له حقّ طلب الزّكاة وهو من أهلها :

190 - فرّق الحنفيّة بين مستحقّي الزّكاة من الفقراء من حيث جواز طلبهم الزّكاة بالرّغم من استحقاقهم ، فقالوا : إنّ الّذي يحلّ له طلب الزّكاة هو من لا شيء له ليومه وليلته فيحتاج للسّؤال لقوته ، أو ما يواري بدنه ، وهو في اصطلاحهم المسمّى مسكينًا ، وكذا لا يحلّ السّؤال لمن لا يملك قوت يومه وليلته لكنّه قادر على الكسب ، أمّا الفقير وهو في اصطلاحهم من يملك قوته ليومه وليلته ، فلا يحلّ له سؤال الصّدقة ، وإن كان يحلّ له أخذها إن لم يكن مالكًا لخمسين درهمًا على ما تقدّم . وعند الحنابلة على المذهب : من أبيح له أخذ الزّكاة أبيح له طلبها ، وفي روايةٍ : يحرم طلبها على من له قوت يومه وليلته ، وقال ابن الجوزيّ : إن علم أنّه يجد من يسأله كلّ يومٍ لم يجز أن يسأل أكثر من قوت يومه وليلته ، وإن خاف أن لا يجد من يعطيه أبيح له السّؤال أكثر من ذلك .

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١١٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١١٨٩