174 - ذهب جمهور العلماء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والثّوريّ وأبو ثورٍ وابن المنذر وهو رواية عن أحمد ، وقال ابن قدامة : إنّه الصّحيح ) إلى أنّه لا يجوز الصّرف في الحجّ من الزّكاة ; لأنّ سبيل اللّه في آية مصارف الزّكاة مطلق ، وهو عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد في سبيل اللّه تعالى ، لأنّ الأكثر ممّا ورد من ذكره في كتاب اللّه تعالى قصد به الجهاد ، فتحمل الآية عليه . وذهب أحمد في روايةٍ ، إلى أنّ الحجّ في سبيل اللّه فيصرف فيه من الزّكاة ، لما روي ﴿ أنّ رجلًا جعل ناقته في سبيل اللّه ، فأرادت امرأته أن تحجّ ، فقال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم : فهلاّ خرجت عليه فإنّ الحجّ من سبيل اللّه ﴾ فعلى هذا القول لا يعطى من الزّكاة من كان له مال يحجّ به سواها ، ولا يعطى إلاّ لحجّ الفريضة خاصّةً ، وفي قولٍ عند الحنابلة : يجوز حتّى في حجّ التّطوّع . وينقل عن بعض فقهاء الحنفيّة أنّ مصرف في سبيل اللّه هو لمنقطع الحجّاج . إلاّ أنّ مريد الحجّ يعطى من الزّكاة عند الشّافعيّة على أنّه ابن سبيلٍ كما يأتي .
الصّنف الثّامن : ابن السّبيل : سمّي بذلك لملازمته الطّريق ، إذ ليس هو في وطنه ليأوي إلى سكنٍ . وهذا الصّنف ضربان :
175 - الضّرب الأوّل : المتغرّب عن وطنه الّذي ليس بيده ما يرجع به إلى بلده : وهذا الضّرب متّفق على أنّه من أصحاب الزّكاة ، فيعطى ما يوصله إلى بلده ، إلاّ في قولٍ ضعيفٍ عند الشّافعيّة : أنّه لا يعطى ; لأنّ ذلك يكون من باب نقل الزّكاة من بلدها . ولا يعطى من الزّكاة إلاّ بشروطٍ : الشّرط الأوّل : أن يكون مسلمًا ، من غير آل البيت . الشّرط الثّاني : أن لا يكون بيده في الحال مال يتمكّن به من الوصول إلى بلده وإن كان غنيًّا في بلده ، فلو كان له مال مؤجّل أو على غائبٍ ، أو معسرٍ ، أو جاحدٍ ، لم يمنع ذلك الأخذ من الزّكاة على ما صرّح به الحنفيّة . الشّرط الثّالث : أن لا يكون سفره لمعصيةٍ ، صرّح بهذا الشّرط المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، فيجوز إعطاؤه إن كان سفره لطاعةٍ واجبةٍ كحجّ الفرض ، وبرّ الوالدين ، أو مستحبّةٍ كزيارة العلماء والصّالحين ، أو كان سفره لمباحٍ كالمعاشات والتّجارات ، فإن كان سفره لمعصيةٍ لم يجز إعطاؤه منها لأنّه إعانة عليها ، ما لم يتب ، وإن كان للنّزهة فقط ففيه وجهان عند الحنابلة : أقواهما : أنّه لا يجوز ; لعدم حاجته إلى هذا السّفر . الشّرط الرّابع : وهو للمالكيّة خاصّةً : أن لا يجد من يقرضه إن كان ببلده غنيًّا . ولا يعطى أهل هذا الضّرب من الزّكاة أكثر ممّا يكفيه للرّجوع إلى وطنه ، وفي قولٍ للحنابلة : إن كان قاصدًا بلدًا آخر يعطى ما يوصله إليه ثمّ يردّه إلى بلده . قال المالكيّة : فإن جلس ببلد الغربة بعد أخذه من الزّكاة نزعت منه ما لم يكن فقيرًا ببلده ، وإن فضل معه فضل بعد رجوعه إلى بلده نزع منه على قولٍ عند الحنابلة . ثمّ قد قال الحنفيّة : من كان قادرًا على السّداد فالأولى له أن يستقرض ولا يأخذ من الزّكاة . الضّرب الثّاني : من كان في بلده ويريد أن ينشئ سفرًا :
176 - فهذا الضّرب منع الجمهور إعطاءه ، وأجاز الشّافعيّة إعطاءه لذلك بشرط أن لا يكون معه ما يحتاج إليه في سفره ، وأن لا يكون في معصيةٍ ، فعلى هذا يجوز إعطاء من يريد الحجّ من الزّكاة إن كان لا يجد في البلد الّذي ينشئ منه سفر الحجّ ما لا يحجّ به . والحنفيّة لا يرون جواز الإعطاء في هذا الضّرب ، إلاّ أنّ من كان ببلده ، وليس له بيده مال ينفق منه وله مال في غير بلده ، لا يصل إليه ، رأوا أنّه ملحق بابن السّبيل .
أصناف الّذين لا يجوز إعطاؤهم من الزّكاة :
177 - 1 - آل النّبيّ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم لأنّ الزّكاة والصّدقة محرّمتان على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى آله ، وقد تقدّم بيان حكمهم في ( آل ) .
2 - الأغنياء ، وقد تقدّم بيان من هم في صنف الفقراء والمساكين . قال ابن قدامة : خمسة لا يعطون إلاّ مع الحاجة : الفقير ، والمسكين ، والمكاتب ، والغارم لمصلحة نفسه ، وابن السّبيل ، وخمسة يأخذون مع الغنى : العامل ، والمؤلّف قلبه ، والغازي ، والغارم لإصلاح ذات البين ، وابن السّبيل الّذي له اليسار في بلده . وخالف الحنفيّة في الغازي والغارم لإصلاح ذات البين ، فرأوا أنّهم لا يأخذون إلاّ مع الحاجة .
3 - الكفّار ولو كانوا أهل ذمّةٍ : لا يجوز إعطاؤهم من الزّكاة . نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك لحديث : ﴿ إنّ اللّه افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم وتردّ على فقرائهم ﴾ وأجاز الحنابلة في قولٍ إعطاءهم مع العاملين إن عملوا على الزّكاة . ويستثنى المؤلّف قلبه أيضًا على التّفصيل والخلاف المتقدّم في موضعه . ويشمل الكافر هنا الكافر الأصليّ والمرتدّ ، ومن كان متسمّيًا بالإسلام وأتى بمكفّرٍ نحو الاستخفاف بالقرآن ، أو سبّ اللّه أو رسوله ، أو دين الإسلام ، فهو كافر لا يجوز إعطاؤه من الزّكاة اتّفاقًا ، وانظر مصطلح : ( ردّة ) .