146 - العامل على الزّكاة يجوز إعطاؤه حقّه من الزّكاة نفسها بالشّروط المتقدّمة في السّاعي . ويجوز إعطاؤه من بيت المال . ويتعيّن ذلك إن لم يكن من أهل الزّكاة ، كأن يكون من آل البيت على ما صرّح به المالكيّة ، أو يكون العمل ممّا لا يحتاج إليه غالبًا كالرّاعي والحارس والسّائق على ما صرّح به المالكيّة والشّافعيّة ، وقال الحنابلة : يعطى الرّاعي والحارس ونحوهما من الزّكاة كغيرهم من العاملين . وليس للسّاعي أن يأخذ من الزّكاة لنفسه شيئًا غير الأجر الّذي يعطيه إيّاه الإمام ، لما في حديث عديّ بن عميرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى يقول : ﴿ من استعملناه منكم على عملٍ فكتمنا مخيطًا فما فوقه ، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة ﴾ . وليس للسّاعي أن يأخذ شيئًا من أهل الأموال باسم الهديّة بسبب ولايته ، وإن أخذه لم يحلّ له أن يكتمه ويستأثر به ، لما ورد في حديث أبي حميدٍ السّاعديّ رضي الله عنه قال : ﴿ استعمل النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد يقال له ابن اللّتبيّة على الصّدقة ، فلمّا قدم قال : هذا لكم ، وهذا أهدي لي . قال : فهلاّ جلس في بيت أبيه - أو بيت أمّه ، فينظر أيهدى له أم لا ؟ والّذي نفسي بيده ، لا يأخذ أحد منكم شيئًا إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ، إن كان بعيرًا له رغاء ، أو بقرةً لها خوار ، أو شاةً تيعر - ثمّ رفع بيده حتّى رأينا عفرة إبطيه - اللّهمّ هل بلّغت ، اللّهمّ هل بلّغت ، ثلاثًا ﴾ .
دعاء السّاعي للمزكّي :
147 - إذا أخذ السّاعي الزّكاة استحبّ له أن يدعو للمالك ، لقوله تعالى : ﴿ خذ من أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكّيهم بها وصلّ عليهم إنّ صلاتك سكن لهم ﴾ ولما ورد من حديث عبد اللّه بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : ﴿ كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : اللّهمّ صلّ على آل فلانٍ فأتاه أبي بصدقته ، فقال : اللّهمّ صلّ على آل أبي أوفى ﴾ . وفي قولٍ للشّافعيّة : يجب ذلك ، لظاهر الآية . ويقول : اللّهمّ صلّ على آل فلانٍ . وإن شاء دعا بغير ذلك . وفي قولٍ للشّافعيّة : لا يدعو بالصّلاة على آل المزكّي ، بل يدعو بغيرها ; لأنّ الصّلاة خاصّة بالأنبياء .
ما يصنع السّاعي بالممتنع عن أداء الزّكاة :
148 - قال الشّافعيّة : إن كان السّاعي جائرًا في أخذ الزّكاة أو صرفها لم يكن له تعزير من امتنع أو أخفى ماله أو غلب به ; لأنّ الممتنع أو المخفي يكون بذلك معذورًا . أمّا إن كان السّاعي عادلًا فإنّه يأخذها من الممتنع أو المخفي ، ويعزّره ما لم يكن له فيما فعله شبهة معتبرة . ولو خرج على الإمام قوم فلم يقدر السّاعي على أخذ الزّكاة منهم حتّى مضت أعوام ، ثمّ قدر عليهم ، يؤخذون بزكاة ما وجد معهم حال القدرة عليهم لماضي الأعوام ولعام القدرة ، وإن ادّعوا أنّهم أخرجوها يصدّقون ، لكن إن كان خروجهم لمنعها لا يصدّقون على ما صرّح به المالكيّة .
ما يصنع السّاعي عند اختلاف الحول على الملّاك :
149 - قال النّوويّ : إذا وصل السّاعي إلى أرباب الأموال ، فإن كان حول صاحب المال قد تمّ أخذ منه الزّكاة ، وإن كان حول بعضهم لم يتمّ سأله السّاعي تعجيل الزّكاة ، ويستحبّ للمالك إجابته ، فإن عجّلها برضاه أخذها منه ، وإلاّ لم يجبره ، ثمّ إن رأى السّاعي المصلحة في أن يوكّل من يأخذها عند حلولها ويفرّقها على أهلها فعل . وإن رأى أن يؤخّرها ليأخذها منه في العام المقبل فعل ، ويكتبها كي لا ينساها أو يموت فلا يعلمها السّاعي الّذي بعده ، وإن رأى أن يرجع في وقت حلولها ليأخذها فعل ، وإن وثق بصاحب المال جاز أن يفوّض إليه تفريقها . وتقدّم أنّ وصول السّاعي شرط في وجوب الزّكاة عند المالكيّة إن كان هناك ساعٍ ، فهو يحاسبهم على ما يملكونه يوم وصوله إليهم .
( حفظ الزّكاة ) :
150 - على السّاعي المحافظة على مال الزّكاة . وهو أمانة في يده حتّى يوصله إلى مستحقّيه ، أو يوصله إلى الإمام إن فضل منه شيء ، وله في سبيل ذلك أن يتّخذ حارسًا أو راعيًا ونحوهما . وممّا ذكره الفقهاء من وسائل الحفظ وسم بهائم الصّدقة من الإبل والبقر والغنم لتتميّز عن غيرها ; ولئلاّ تضيع ، ويسمها بالنّار بعلامةٍ خاصّةٍ ، كأن تكون علامة الوسم ( للّه ) لما ورد في الصّحيحين عن أنسٍ رضي الله عنه أنّه قال : ﴿ وافيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبيده الميسم يسم إبل الصّدقة ﴾ ولآثارٍ وردت من فعل عمر وغيره من الصّحابة رضوان اللّه عليهم .
بيت مال الزّكاة :
151 - على الإمام أن يتّخذ بيتًا لأموال الزّكاة تحفظ فيه وتضبط إلى أن يتمكّن من صرفها لأهلها . وتفصيل ذلك في مصطلح : بيت المال » .
تصرّفات السّاعي في الزّكاة :
152 - إذا قبض السّاعي الزّكاة يفرّقها على مستحقّيها من أهل البلد الّتي جمعها فيها إن كان الإمام أذن له في تفريقها ، فلا ينقلها إلى أبعد من مسافة القصر ، إلاّ أن يستغني عنها فقراء البلد ، وقد ورد أنّ عمر بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن ، فبعث إليه من الصّدقة ، فقال له : إنّي لم أبعثك جابيًا ولا آخذ جزيةٍ ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء النّاس فتردّ في فقرائهم . فقال معاذ : أنا ما بعثت إليك بشيءٍ وأنا أجد أحدًا يأخذه منّي . فلو نقلها في غير تلك الحال ففيه خلاف يأتي . وليس للسّاعي أن يأخذ من الزّكاة لنفسه على أنّه أحد أصناف أهل الزّكاة ، كما لو كان غارمًا أو فقيرًا . ولا يأخذ إلاّ ما أعطاه الإمام على ما صرّح به المالكيّة ; لأنّه يقسم فلا يحكم لنفسه .