تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بِالتَّكْرَارِ مُطْلَقًا وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِمَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ كَائِنًا لَا مَحَالَةَ نَحْوُ : ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ ﴾ فَفَرُّوا مِنْ ذَلِكَ , وَقَالُوا : ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمَةِ , لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ تَسْمِيَةُ السَّيِّدِ وَلِيًّا , فَأَلْزَمُوا بُطْلَانَهُ بِأَنَّ نِكَاحَهَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّغِيرَةِ , وَبِأَنَّهُ عليه السلام جَعَلَ لَهَا الْمَهْرَ بِمَا أَصَابَ مِنْهَا , وَمَهْرُ الْأَمَةِ لِمَوْلَاهَا , فَفَرُّوا مِنْ ذَلِكَ , وَقَالُوا : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ , وَأَرَادُوا التَّخَلُّصَ مِنْ الْمَهْرِ , فَإِنَّ الْمُكَاتَبَةَ مُسْتَحِقَّةٌ , فَرُدَّ بِنُدُورِ الْمُكَاتَبَةِ وَقِلَّتِهَا فِي الْوُجُودِ , وَالْعُمُومُ ظَاهِرٌ فِيهِ , فَإِنَّ " أَيًّا " كَلِمَةٌ عَامَّةٌ , وَأَكَّدَهَا " بِمَا " , هَذَا مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهُ ابْتِدَاءً تَمْهِيدًا لِلْقَاعِدَةِ , لَا فِي جَوَابِ سَائِلٍ حَتَّى يَظْهَرَ تَخْصِيصُهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الصِّنْفَ مِنْ التَّأْوِيلِ مَقْبُولٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ إذَا عَضَّدَهُ دَلِيلٌ وَقَالَ الْقَاضِي : إنَّهُ مَرْدُودٌ قَطْعًا . وَعَزَاهُ إلَى الشَّافِعِيِّ قَائِلًا : إنَّهُ عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِهِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْفَى عَلَيْهِ هَذِهِ الْجِهَاتُ لِلتَّأْوِيلَاتِ , وَقَدْ رَأَى الِاعْتِصَامَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ( رضي الله عنها ) اعْتِصَامُ النَّصِّ , وَقَدَّمَهُ عَلَى الْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ , فَكَانَ ذَلِكَ شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَى التَّعَلُّقَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ . وَذَكَرَ الْقَاضِي مَا حَاصِلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام ذَكَرَ أَعَمَّ الْأَلْفَاظِ , إذْ أَدَوَاتُ الشَّرْطِ مِنْ أَعَمِّ الصِّيَغِ , وَأَعَمُّهَا " مَا " وَ " أَيُّ " فَإِذَا فُرِضَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَانَ مُبَالَغًا فِي مُحَاوَلَةِ التَّعْمِيمِ , أَيْ أَنَّ " مَا " لَوْ تَجَرَّدَتْ , وَكَانَتْ شَرْطِيَّةً كَانَتْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ , وَقَدْ أُتِيَ بِهَا زَائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ , فَكَانَتْ مُقَوِّيَةً لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ " أَيْ " مِنْ التَّعْمِيمِ , كَذَا فَهِمَهُ الْمَازِرِيُّ , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ " مَا " الْمُتَّصِلَةُ " بِأَيْ " شَرْطِيَّةٌ , كَمَا فَهِمَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ , وَقَالَ : هَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ , وَوَافَقَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ , وَنَسَبَاهُ إلَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ , وَهُوَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي , وَمَعْنَاهُ مَا عَرَفْت . وَمِنْهَا : حَمْلُهُمْ قوله تعالى : ﴿ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ﴾ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ , وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ . وَالْمَعْنَى فَإِطْعَامُ طَعَامٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا , فَجَوَّزُوا صَرْفَ جَمِيعِ الطَّعَامِ إلَى وَاحِدٍ , لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْحَاجَةِ , وَحَاجَةُ السِّتِّينَ كَحَاجَةِ الْوَاحِدِ فِي سِتِّينَ يَوْمًا , فَاسْتَوَيَا فِي الْحُكْمِ . وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلنَّصِّ إذْ جَعَلُوا الْمَعْدُومَ وَهُوَ " طَعَامٌ " مَذْكُورًا , لِيَصِحَّ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِإِطْعَامٍ , وَالْمَذْكُورُ وَهُوَ " ﴿ سِتِّينَ مِسْكِينًا ﴾ " عَدَمًا مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا " لِإِطْعَامٍ " مَعَ إمْكَانِ قَصْدِ الْعَدَدِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ , وَبَرَكَتِهِمْ , وَتَضَافُرِ قُلُوبِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُحْسِنِ . وَهَذِهِ مَعَانٍ لَائِحَةٌ لَا تُوجَدُ فِي الْوَاحِدِ . وَأَيْضًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَلِأَنَّ " أَطْعَمَ " يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ , وَالْمُهِمُّ مِنْهُمَا مَا ذَكَرَ , وَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ غَيْرُ مُهِمٍّ . وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَدَ الْمَسَاكِينِ , وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الطَّعَامِ , فَاعْتَبَرُوا الْمَسْكُوتَ عَنْهُ وَهُوَ الْأَمْدَادُ , وَتَرَكُوا الْمَذْكُورَ وَهُوَ الْأَعْدَادُ , وَهُوَ عَكْسُ الْحَقِّ . أَمَّا الْمَازِرِيُّ فَانْتَصَرَ لِلْحَنَفِيَّةِ بِوَجْهَيْنِ : فِقْهِيٌّ , وَنَحْوِيٌّ . أَمَّا الْفِقْهِيُّ : فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ إبْطَالُ النَّصِّ إلَّا لَوْ جَوَّزُوا إعْطَاءَ الْمِسْكِينِ الْوَاحِدِ سِتِّينَ مُدًّا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ , وَهُمْ لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ , بَلْ يُرَاعُونَ صُورَةَ الْعَدَدِ , وَيَشْتَرِطُونَ تَكْرِيرَ ذَلِكَ عَلَى الْمِسْكِينِ الْوَاحِدِ تَكْرِيرَ الْأَيَّامِ فِرَارًا مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا , وَلَمْ يُعَيِّنْ مِسْكِينًا مِنْ مِسْكِينٍ , وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ تَعَيُّنِهِمْ فَإِذَا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَتَكَرَّرَ إطْعَامُهُ بِالْغَدَاةِ , وَهُوَ بِالْغَدَاةِ مِسْكِينٌ , فَكَأَنَّهُ أَطْعَمَ مِسْكِينًا آخَرَ , فَإِذَا انْتَهَى التَّكْرَارُ إلَى سِتِّينَ يَوْمًا صَارَ مُطْعِمًا سِتِّينَ مِسْكِينًا , لِكَوْنِ هَذَا الْمِسْكِينِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَاكِينِ . وَأَمَّا النَّحْوِيُّ فَذَكَرَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ : إنَّ الْمَصْدَرَ يُقَدَّرُ " بِمَا , وَأَنَّ

موسوعة فقه العبادات · الصفحة ١١٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة فقه العباداتص ١١٠٦