ويرى السلف أن معنى كون الفعل حسناً أنه منشأ لمصلحة ، ومعنى كونه قبيحاً أنه منشأ للمفسدة ، وسبب لها وأنه لا يلزم من وجود السبب وجود مسببه ، إذ قد يكون ترتب المسبب على سببه مشروطاً بشرط ، وقد يوجد السبب ولا يوجد المسبب لوجود مانع ، ومن هنا قد يكون الفعل الواحد حسنا في نفسه في وقت لكونه منشأ للمصلحة في ذلك الوقت دون وقت آخر ، وقد يكون حسناً بالنسبة لقوم دون آخرين وفي ذلك يقول ابن القيم : ( والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة ، ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله لأن هذا السبب قد نصب الله له شرطاً ، وهو بعثة الرسل وانتفاء التعذيب قبل البعثة هو الانتفاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه وهذا فصل الخطاب ) وبهذا يتبين أن السلف وإن قالوا بالحسن والقبح الذاتيين فإنهم لا يرون ترتب العقاب على فعل القبيح أمراً لازماً ، وذلك لأن العقاب عندهم وإن كان سببه قائماً إلا أنه مشروط بورود الشرع دفعاً للمعذرة ، فلا يعاقب إنسان بناء على مقتضى ما أدرك من قبيح قبل ورود الشرع من بالقبيح ، فلولا ورود الشرع بالعقاب لم يعاقب فاعل القبيح وإن كان مستحقاً للعقاب قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى ? وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا? اخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحداً ألا بعد قيام الحجة عليه بارسال الرسول إليه كما قال تعالى : ?كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتيكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ? إلى أن قال : إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحداً النار إلا بعد إرسال الرسول إليه " فسبب العقاب قبل البعثة قائم وانتفاء المسبب لعدم وجود شرط العذاب وهو إرسال الرسول إقامة للحجة ، وقطعاً للعذر فلا يقبح العفو لأنه لا
يستلزم كذباً في الخبر بل غايته ترك حق الله تعالى قد وجب قبل البعثة وهذا حسن(1) .