تلك السنون
إيليا أبو ماضي
في حفلة اليوبيل الفضي لجريدة "السمير"
---------------
تلك السنون الغاربات ورائي ... سفر كتبت حروفه بدمائي
ما عشتها لأعدّها بل عشتها ... لتبين في سمائها سمائي
سيّلن لو أني قنعت بعدّها ... عمري وعمر الصخرة الصماء
ولبذّني يوم التفاخر شاطىء ... ما فيه غير رماله الخرساء
لا حت لي العلياء في آفاقها ... فأردتها دربا ألى العلياء
ومحبة للخير تسري في دمي ... ورعاية للضعف والضعفاء
وعبادة للحق أين وجدته ... والحسن في الأحياء والأشياء
لتدور بعدي قصة عن عاشق ... رقصت به الدنيا جناح ضياء
نشر الطيوب على دروب حياته ... وسرى هوى في الطيب و الأنداء
وأطلّ في قلب البخيل سماحة ... وشجاعة في السلم والهيجاء
ومشى ألى المظلوم بارق رحمة ... وهوى على الظلام سوط بلاء
متعوّ دنيا قد طوت آبائي ... وتهش دنيا أطلعت أبنائي
تلك السنون ببؤسها ونعيمها ... مالت بعودي وانطوت بروائي
أين الشباب ألفّ أحلامي به ... ليس الشباب الآن لي برداء
نفسي تحس كأنما أثقالها ... قد خيرت فتخيرت أعضائي
كم من رؤى طلعت على جنباتها ... ركبا من الأضواء و الأشذاء
قلبت فيها بعد لأي ناظري ... فتعثرت عيناي بالأشلاء
يا للضحايا لا يرفّ لموتها ... جفن ولا تحصى مع الشهداء
ودعت للذّات الخيال وعفتها ... ورضيت أن أشقى مع الحكماء
فعرفت مثلهم بأني موخد ... بؤسي،وأني خالق نعمائي
...
إني أراني بعد ما كابدته ... كالفلك خارجة من لأنواء
وكسائح بلغ المدينة بعدما ... ضلّ الطريق وتاه في البيداء
شكرا لأصحابي فلولا حبهم ... لم أقترب من عالم اللألاء
بهم اقتحت العاصفات بمركي ... وبهم عقدت على النجوم لوائي
...
شكرا لأعدائي فلولا عيشهم ... لم أدر أنهمو الغوغاء
نهش الأسى لما ضحكت قلوبهم ... عرس المحبة مأتم البغضاء
ذني إلى الحسّاد أني فتّهم ... وتركهم يتعثرون ورائي
وخطيئتي الكبرى إليهم أنهم ... قعدوا ولم أقعد على الغبراء
عفو المروءة والرجولة أنني ... أخطأت حين حسبتهم نظرائي
...