عماد النبوة العلم والعمل ، لأن الله لم يؤت النبوة والوحي إلا من اتصف بهذين النعتين ، وذلك لأن النبي يصير بالوحي عالماً ، ويلزم من وجود العلم الإلهي العمل الصالح ، فصدق بهذا الاعتبار قوله النبوة العلم اللدني والعمل المقرب إلى الله .
فالنبوة إذاً تفسر بوجود هذين الوصفين الكامليين ، ولا سبيل إلى تحصيل هذين الوصفين بكمالهما إلا بالوحي الإلهي إذ الوحي الإلهي علم يقيني ما فيه ظن ، وعلم غير الأنبياء منه يقيني ، وأكثره ظني .
ثم النبوة ملازمة للعصمة ، ولا عصمة لغيرهم ولو بلغ في العلم والعمل ما بلغ ، والخبر عن الشيء يصدق ببعض أركانه وأهم مقاصده ، غير أنا لا تسوغ لأحد إطلاق هذا إلا بقرينة كقوله عليه الصلاة والسلام : " الحج عرفة " وإن كان عنى الحصر أي ليس هي إلا العلم والعمل فهذه زندقة وفلسفة ا0هـ .
وقال في سير أعلام النبلاء(1):
سمعت عبدالصمد بن محمد بن محمد ، سمعت أبي يقول : أنكروا على أبي حاتم بن حبان قوله : النبوة : " العلم والعمل " فحكموا عليه بالزندقة ، هجر ، وكتب فيه إلى الخليفة فكتب بقتله .
(1) ... (16/96) .
قلت : هذه حكاية غريبة ، وابن حبان من كبار الأئمة ، ولسنا ندعي فيه العصمة من الخطأ ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها ، قد يطلقها المسلم ، ويطلقها الزنديق الفيلسوف ، فإطلاق المسلم لها لا ينبغي ، لكن يعتذر عنه ، فنقول : لم يرد حصر المبتدأ في الخبر ، ونظير ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : "الحج عرفة" ومعلوم أن الحاج لا يصير بمجرد الوقوف بعرفه حاجاً ، بل بقي عليه فروض وواجبات ، وإنما ذكر مهم الحج وكذا هذا ذكر مهم النبوة ، إذ من أكمل صفات النبي كمال العلم والعمل ، فلا يكون أحد نبياً إلا بوجودهما ، وليس كل من برز فيهما نبياً ، لأن النبوة موهبة من الحق تعالى ، لا حيلة للعبد في اكتسابها ، بل بها يتولد العلم اللدني والعمل الصالح .