فلعلك أن تقول بعد هذا البيان : انا لا أفهم الأسباب ، ولا أخرج عن دائرة التقسيم والمطالبة بأحد القسمين وما أنت أن قلت هذا : إلا مسبوق بخلق من الضلال :?كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم ) وموقفك هذا مفرق طرق إما إلى الجنة وإما إلى النار ، فيعاد عليك البيان بأن لها تأثيراً من حيث هي السبب كتأثير القلم وليس لها تأثير من حيث الابتداع والاختراع ، ونضرب لك الأمثال لعلك تفهم صورة الحال ، ويبين لك أن إثبات الأسباب مبتدعات هو الإشراك وإثباتها أسباباً موصولات هو عين تحقيق التوحيد ، عسى الله أن يقذف بقلبك نوراً ترى هذا البيان
( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور )
فإن قلت : اثبات القدرة سبب نفي للتأثير في الحقيقة فما بال الفعل يضاف إلى العبد ، وما باله يؤمر وينهي ؟ ويثاب ويعاقب وهل هذا إلا محض الجبر ؟ وإذا كنت مشبهاً لقدرة الإنسان بقلم الكاتب وعصا الضارب فهل رأيت القلم يثاب أو العصا تعاقب ؟ وأقول لك الآن ان شاء اله وجب هداك بمعونة مولاك ، وان لم تطلع من أسرار القدر إلا على مثل ضرب الأثر والق السمع وأنت شهيد ، عسى الله ان يمدك بالتأييد .
اعلم أن العبد فاعل على الحقيقة وله مشيئة ثابتة . وله إرادة جازمة وقوة صالحة
(1) ... درء التعارض (5/265) ط0 دار الكتب .
، وقد نطق القرآن باثبات مشيئة العباد في غير ما آية كقوله : ?لمن شاء منكم ان يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين? ?فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا? ?فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة?
ونطق بإثبات فعله في عامة آيات القرآن : ( يعملون ) ( يفعلون ) (يؤمنون) (يكفرون) (يتفكرون( (يحافظون) ( يتقون).