وكما أنا فارقنا مجوس الأمة بإثبات أنه تعالى خالق ، فارقنا الجبرية بإثبات أن العبد كاسب فاعل صانع عامل ، والجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة وعلماء السنة هو أن يكون الفعل صادراً على الشيء من غير إرادة ولا مشيئة ولا اختيار مثل حركة الأشجار بهبوب الرياح ، وحركة باطباق الأيدي ومثله في الأناسي حركة المحموم والمفلوج والمرتعش فإن كل عاقل يجد تفرقة بديهية بين قيام الإنسان وقعوده وصلاته وجهاده ، وزناه وسرقته وبين انتعاش المفلوج وانتفاض المحموم ، ونعلم أن الأول قادر على الفعل مريد له مختار ، وأن الثاني غير قادر عليه ولا مريد له ولا مختار .
والمحكي عن جهم وشيعته " الجبرية " انهم زعموا :أن جميع أفاعيل العباد قسم واحد ، وهو قول ظاهر الفساد ، وبما بين القسمين من الفرقان انقسمت الأفعال: إلى اختياري ، واضطراري واختص المختار منها بإثبات الأمر والنهي عليه ، ولم يجيء في الشرائع ولا في كلام حكيم أمر الأعمى بنقط المصحف ، والمقعد بالاشتداد أو المحمود بالسكون، وشبه ذلك ، وان اختلفوا في تجويزه
عقلاً أو سمعاً فإنما منع وقوعه بإجماع العقلاء أولى العقل من جميع الأصناف(1)
خامساً : النبوات :
يختلف مذهب الأشاعرة عن مذهب أهل السنة والجماعة في النبوات اختلافاً بعيداً ، فهم يقررون أن إرسال الرسل راجع للمشيئة المحضة ، ثم يقررون أنه لا دليل على صدق النبي إلا المعجزة ، ثم يقررون أن أفعال السحرة والكهان من جنس المعجزة لكنها لا تكون مقرونة بإدعاء النبوة والتحدي ، قالوا ولو ادعى الساحر أو الكاهن النبوة لسلبه الله معرفة السحر رأساً وإلا كان هذا إضلالاً من الله وهو يمتنع عليه الإضلال إلى آخر ما يقررونه مما يخالف المنقول والمعقول ، ولضعف مذهبهم في النبوات مع كونها من أخطر أبواب العقيدة إذ كل أمورها متوقفة على ثبوت النبوة أغروا أعداء الإسلام بالنيل منه واستطال عليهم الفلاسفة والملاحدة(2).