القسم الثالث :
شخصية مبدعها، وظروف عصره وملامح الأدب فيه،
وما دار حول البردة وشعر المديح
أعده إبراهيم الفارسي.
أولاً : مفتتح الكلام
إنّ الشّعر باعتباره إبداعاً،فإنه ينطلق من التجربة الذاتيّة والشّخصيّة للشّاعر الأديب، ولا يكون الشعر الحقيقي إلا صادراً من الوجدان ومفضياً إليه سواء تناول الشّاعر فيه موضوعات عامة أو موضوعات خاصة فكل ما يقوله الشاعر لابدَّ أنْ يكونَ مرتبطاً بذات الشاعر.
والمديح النبوي فن ازدهر في الشعر العربي منذ الأعشى، وكعب بن زهير، وحسان بن ثابت، ويعدُّ في طليعة الشعر الإسلامي وزاد الإقبال عليه في العصر المملوكي، وفيه نجد صورة للدعوة الإسلامية وتزكيتها و الاهتمام برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيرته وخلقه العظيم، وبيان معجزاته.
... ولقد ارتبط المديح بالتصوف والروحانيات والوجدانيات ، وذلك لأن للصوفية وعيهم المتميّز، ولهم أيضاً وسائل تعبيريّة خاصّة، وأفكار وموضوعات حساسة في العقيدة ، مما أثار عليهم حفيظة بعض رجال الدين فاعترضوا على ما عبر عنه شعراء الصوفية ، والبوصيري منهم.
ثانياً : شخصية الإمام البوصيري
( أ ) ثقافته وصفاته
لقد كان للنشأة التي عاشها الإمام البوصيري أثرها الكبير في شخصيته، فهو قد حفظ القرآن الكريم، ودرس العلوم الدينية، واللغوية والسيرة النبوية وتنقل دارساً ومدرساً في المساجد ، وتتلمذ على شيوخ الصوفية الأجلاء، حيث درس التصوف وآدابه وأسراره ، وتلقى ذلك عن أبي العباس المرسي تلميذ أبي الحسن الشاذلي وكان محباً لشيخه وظهر ذلك في شعره.