وبيان ذلك ان نفس الأكل والشرب باختيار العبد ومشيئته التي هي من فعل الله سبحانه وتعالى أيضاً ، وحصول الشبع عقب الأكل ليس للعبد فيه صنع ألبتة ، حتى لو أراد دفع الشبع بعد تعاطي الأسباب الموجبة له لم يطق وكذلك نفس العمل هو بإرادته واختياره ، فلو شاء أن يدفع أثر ذلك العمل وثوابه بعد وجود موجبه لم يقدر(1) .
4-السببية :
قال شيخ الإسلام عن الأشعرية أنهم : يقولون إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسباباً وأن وجودها كعدمها وليس هناك إلا مجرد اقتران عادي كاقتران الدليل بالمدلول وكلامهم لما جحد في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل ، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها ولا في القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها ، ولا في النار قوة تمتاز بها عن التراب تحرق بها ، وهؤلاء ينكرون ما في الأجسام المطبوعة من الطبائع والغرائز .
قال بعض الفضلاء تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم .
ثم إن هؤلاء يقولون لا ينبغي للإنسان أن يقول أنه شبع بالخبز وروى بالماء بل يقول شبعت عنده ورويت عنده ؛ فإن الله يخلق الشبع والري ونحو ذلك من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادة ؛ لا بها وهذا خلاف الكتاب والسنة
ونظير هؤلاء الذين أبطلوا الأسباب المقدرة في خلق الله من أبطل الأسباب المشروعة في أمر الله ؛ كالذين يظنون أن ما يحصل بالدعاء والأعمال الصالحة وغير ذلك من الخيرات إن كان مقدراً حصل بدون ذلك ؛ وإن لم يكن مقدراً لم يحصل بذلك ، وهؤلاء كالذين قالوا للنبي ? أفلا ندع العمل ونتكل على
(1) ... الفتاوى (8/397) .
الكتاب ؟ فقال " لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له "