ومعنى الحي الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية التي لا يلحقها موت ولا فناء ، لأنها ذاتية له سبحانه ، وكما أن قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها ، فالحي والقيوم متضمنان لصفات الكمال وهما القطبان لأفق سمائها فلا تتخلف عنها صفة منها أصلاً .
ومن أسمائه الحسنى سبحانه ( القيوم ) وهو مبالغة من قام وله معنيان :
أحدهما : أنه القائم بنفسه المستغني عن جميع خلقه فلا يفتقر إلى شيء أصلاً لا في وجوده ، ولا في بقائه ، ولا فيما اتصف به من كمال ، ولا فيما يصدر عنه من أفعال ، فإن غناه كما قدمنا ذاتي له فلا يطرأ عليه فقر أو حاجة .
والثاني : أنه الكثير القيام بتدبير خلقه ، فكل شيء في هذا الوجود مفتقر إليه فقراً ذاتياً أصيلاً لا يمكن أن يستغني عنه في لحظة من اللحظات ، فهو مفتقر إليه في وجوده أولاً وفي بقائه بعد الوجود ، فهو الذي يمده بأسباب البقاء ، فلا يقوم شيء في الوجود كله إلا به ، فهو دائم التدبير والرعاية لشؤون خلقه ، لا يمكن أن يغفل عنهم لحظة وإلا اختل نظام الكون وتحطمت أركانه ، قال تعالى : ? قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ? (1) وقال ? إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ? (2) .
(3) ... الأنبياء 42 .
(4) ... فاطر 41 .
قال ابن القيم :
هذا و من أوصافه القيومُ **** والقيوم في أوصافه أمرانِ
إحداهما القيوم قام بنفسه **** والكون قام به هما الأمران
فالأول استغناؤه عن غيره **** والفقر من كل إليه الثاني
والوصف بالقيوم ذو شأن كذا **** موصوفة أيضاً عظيم الشان
والحى يتلوه فأوصاف الكمال **** هما لأفق سمائها قطباَ
فالحى والقيوم لن تتخلف **** الأوصاف أصلا عنهما ببيانِ