أما بعد: فإن الله جل ثناؤُه، وتقدست أَسماؤُه إذا أراد أن يكرم عبده بمعرفته، ويجمع قلبه على محبته شرح صدره لقَبول صفاته العلى وتلقيها من مِشْكَاةِ الوحي، فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول، وتلقاه بالرضى والتسليم، وأذعن له بالانقياد؛ فاستنار به قلبه واتسع له صدره وأَمتلأ به سروراً ومحبة، وعلم أَنه تعريفٌ من تعريفات الله تعالى تَعرَّفَ به إليه على لسان رسوله، فأَنزلَ تلك الصفة من قلبه منزلة الغذاء أَعظمَ ما كان إليه فاقة، ومنزلة الشفاء أَشدَّ ما كان إليه حاجة؛ فاشتد بها فرحه، وعظُم بها غناه، وقويت بها معرفته، واطمأنت إليها نفسه، وسكن إليها قلبه؛ فجال من المعرفة في ميادينها، وأَسامَ عين بصيرته في رياضها وبساتينها؛ لتيقنه بأن شرف العلم تابعٌ لشرف معلومه، ولا معلوم أجل وأعظم ممن هذه صفتُه وهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ وأَن شرفه أَيضاً بحسب الحاجة إليه. وليست حاجة الأرواح قَطُّ إلى شيء أَعظم منها إلى معرفة بارئها وفاطرها ومحبته وذكره، والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده، ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأَسمائه، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أَعرف وله أَطلب وإِليه أَقرب، وكلما كان لها أَنكر كَان بالله أَجهل وإِليه أَكره ومنه أَبعَد. والله يُنزل العبد من نفسه حيث ينزُله العبد من نفسه؛ فمن كان لذكر أَسمائه وصفاته مبغضاً وعنها نافراً ومنفِّراً فالله له أَشد بغضاً، وعنه أعظم إعراضاً، وله أَكبر مقتاً ؛ حتى تعودَ القلوب على قلبين:
قلب ذكرُ الصفات والأسماء قُوتُه وحياته، ونعيمه وقُرَّةُ عينه، لو فارقه ذكرها ومحبتها لاستغاث: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فلسان حاله يقول:
يُرَاد مِنَ القلبِ نسيانُكم وتَأْبى الطِّباعُ على النَّاقِلِ
ويقول:
وإذا تَقَاضَيت الفُؤاد تناسياً ... أَلفَيْت أَحْشَائي بِذاك شِحَاحا
ويقول: