أما الطغرائي : فيرى أن حب السلامة يثني همم الضعفاء فيغريهم بالكسل والخمول ، ويدفعهم إلى تجنب المغامرات ، والبعد عن الأهوال ، والإنزواء عن الناس . وأما المعالي فإنها تدعو صاحبها إلى المغامرة وركوب الأخطار :
حبُّ السلامةِ يثني هم صاحبهِ
عن المعالي ويغري المرء بالكسلِ
فإن جنحتَ إليه فاتخذ نفقاً
في الأرض أو سلماً في الجوِّ فاعتزلِ
ودع غمار العُلا للمقدمين على
ركوبها واقتنعْ منهن بالبللِ
يرضى الذليلُ بخفض العيشِ مسكنهُ
والعِزُّ عند رسيم الأينق الذّلُلِ
****
وكل منهما لا يرضى بالإقامة ولكن مطلب كلٍ منهما مختلف ، فالشنفرى طريد جنايات ارتكبها ، يتوقع أن تنقض عليه ، فهو هارب من وجه الساعين إلى دمه ، ينام بعيون يقظى ، فلا يضع جنبه على وجه الأرض حتى تعاوده الهموم من كل جانب ، وقد اعتاد هذه الهموم وألفها ، ولذلك يقول :
وآلف وجه الأرض عند افتراشها
بأهْدَأ تُنبيه سَناسِنُ قُحَّلُ ؛
طَرِيدُ جِناياتٍ تياسرنَ لَحْمَهُ ،
عَقِيرَتُهُ في أيِّها حُمَّ أولُ ،
تنامُ إذا ما نام ، يقظى عُيُونُها ،
حِثاثاً إلى مكروههِ تَتَغَلْغَلُ
وإلفُ همومٍ ما تزال تَعُودهُ
عِياداً ، كحمى الرَّبعِ ، أوهي أثقلُ
أما الطغرائي : فإنه لايرضى بالإقامة ، لأن نفسه تحدثه أن العز الذي يريده لا يتحقق بإقامته وإنما يتحقق بالتنقل والرحلة .
إن العلا حدثتني وهي صادقةٌ
فيما تُحدثُ أن العز في النقلِ
كما أنه يهدف إلى تحقيق آماله ، التي يتوقع حصولها يوماً بعد يوم :
أعللُ النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فُسحة الأمل
وكل منهما له في الحديث عن الصبر حِكمٌ تسير مع الزمن ، فالشنفرى مولى الصبر يلبس ملابسه على قلبِ مثل السِّمع ، والسِّمع هو الذئب الشجاع ، وينتعل الحزم :
فأني لمولى الصبر ، أجتابُ بَزَّه
على مِثل قلب السَّمْع ، والحزم أنعلُ
وهو لايجزع من الفقر ولا يفرح للغنى :
وأُعدمُ أحْياناً ، وأُغنى ، وإنما