تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنت تخذلني في الحادث الجللِ

وكل منهما يذكر المرأة في لاميته غير أن منهج كل واحد منهما مختلف عن الآخر ، فالشنفرى ليس رجلاً جباناً قعيد منزله ، لاجئاً عند زوجته يشاورها في كل الأمور بل هو شجاع تعلو نفسه عن الركون إلى المرأة ، ولايقصد إليها . فهو ليس رجلاً قليل الخير ، لايفارق داره ، يصبح ويمسي جالساً إلى النساء لمحادثتهن يدهن ويتكحل كأنه منهن :

ولستُ بمهيافِ ، يُعَشِّى سَوامهُ

مُجَدَعَةً سُقبانها ، وهي بُهَّلُ

ولا جبأ أكهى مُرِبِّ بعرسِهِ

يُطالعها في شأنه كيف يفعلُ

ولا خالفِ داريَّةٍ ، مُتغَزِّلٍ ،

يروحُ ويغدو ، داهناً ، يتكحلُ

أما الطغرائي :

فإن نفح الطيب المنبعث من المرأة يهديه في طريقه ، ويجذبه إليه فيدعو صاحبه أن يحث السير إليها ، وحب النساء يصمي قلبه ، وعيونهن النجلاوات ينفذن إلى شغاف نفسه ، فيقع أسيراً لهن

فسر بنا في ذِمام الليل معتسِفاً

فنفخةُ الطيبِ تهدينا إلى الحللِ

تبيتُ نار الهوى منهن في كبدِ

حرَّى ونار القرى منهم على القُللِ

يَقْتُلْنَ أنضاءَ حُبِّ لا حِراك بهم

وينحرون كِرام الخيل والإبلِ

لا أكرهُ الطعنة النجلاء قد شفِعت

برشقةٍ من نبال الأعين النُّجلِ

وكل منهما يدعو إلى المعالي ويتمرد على الذل ، فالشنفرى يرتكب الصعب من الأمور ، فيقاوم الجوع حتى ينساه ، ويذهل عنه ، ولو أدى به الحال إلى أن يستف التراب حتى لا يرى لأحدِ فضلاً عليه فنفسه مرة لا تقيم على الضيم ، ولا ترضى به مهما كانت الأمور :

أُدِيمُ مِطالَ الجوعِ حتى أُمِيتهُ ،

وأضربُ عنه الذِّكرَ صفحاً ، فأذهَلُ

وأستفُّ تُرب الأرضِ كي لا يرى لهُ

عَليَّ ، من الطَّوْلِ ، امرُؤ مُتطوِّلُ

ولكنَّ نفساً مُرةً لا تقيمُ بي

على الضيم ، إلا ريثما أتحولُ

موسوعة الشعر الإسلامي · الصفحة ٢٠٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الشعر الإسلاميص ٢٠٩٨