ينالُ الغِنى ذو البُعْدَةِ المتبَذِّلُ
فلا جَزَعٌ من خِلةٍ مُتكشِّفٌ
ولا مَرِحٌ تحت الغِنى أتخيلُ
لكن الطغرائي : يتبرم من إدبار الدنيا عنه ، وإقبالها على غيره ، ويشكو لأن أناساً أقل منه قد سبقوه ، وكان حظهم أعظم من حظه :
ماكنتُ أوثرُ أن يمتد بي زمني
حتى أرى دولة الأوغاد والسفلِ
تقدمتني أناسٌ كان شوطُهمُ
وراءَ خطوي لو أمشي على مهلِ
وقد شاعت الحكمة وانتشرت في كلا القصيدتين ، حتى تغنى الناس بحكم كل منهما ومن حكم الطغرائي التي يرددها الناس على مرِّ الزمان قوله :
وإن علاني مَنْ دوني فلا عَجبٌ
لي أسوةٌ بانحطاط الشمسِ عن زُحلِ
وقوله :
أعدى عدوك من وثِقتْ به
فحاذر الناس واصحبهم على دخلِ
فإنما رُجل الدنيا وواحدها
من لايعولُ في الدنيا على رجلِ
وقوله :
وحُسن ظنك بالأيام معجزَةٌ
فَظنَّ شراً وكن منها على وجَلِ
****
غاض الوفاءُ وفاض الغدر وانفرجت
مسافة الخُلفِ بين القوْل والعملِ
****
وشان صدقكَ عند الناس كذبهم
وهلْ يُطابق مِعْوجٌ بمعتدلِ
****
فيم اقتحامك لجَّ البحر تركبهُ
وأنت تكفيك منهُ مصة الوشلِ
****
مُلكُ القناعةِ لا يُخشى عليه ولا
يُحتاجُ فيه إلى الأنصار والخَولِ
خلاصة :
والواقع أن الحكم المنتشرة في لامية الشنفرى منتظمة ضمن ذلك العقد الذي ينتظم قصيدته ، وضمن تجربته في الحياة ، إنها فرائد منها مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً قوياً محكماً .
أما فرائد الطغرائي ، فمتناثرة في قصيدته ، والرابط بينها ليس من الإحكام والقوة التي ظهرت في لامية الشنفرى فقد جاءت مرتبطة حيناً بتجاربه في الحياة ، ومرارة العيش التي يشكو منها ، وأحياناً يضعف ذلك الخيط الذي يربطها فيبدو واهياً ضعيفاً ، وتبدو متراصة بعضها بجوار بعض في معزل عن تلك التجارب .
*********************
( عِتابٌ .. ووفاء )
الدكتور / عبدالرحمن بن صالح العشماوي رويدكَ إنَّ الموجَ في البحرِ صاخبُ