أريدُ من زمني ذا أن يبلغني
ما ليس يَبْلُغُه من نفسه الزمنُ
لا تلقَ دهرك إلا غير مكترثٍ
مادام يصحب فيه رٌوحَك البدنٌ
فما يُديم سُرورٌ ما سُرِرتَ به
ولا يرد عليك الفائت الحَزَنُ
مما أضر بأهل العشق أنهمُ
هووا وما عرفوا الدنيا ولا فَطَنُوا
تفنى عُيُنُهُمُ دمعاً وأنفسهم
في إثرِ كُلِّ قَبِيحٍ وجهُهُ حَسَنُ
تحملوا حَمَلَتْكُمْ كُلُّ ناجيةٍ
فكلُّ بَيْنٍ عليَّ اليومَ مؤتمنُ
ما في هوادجكم مِن مُهجتي عِوَضٌ
إن متُ شوقاً ولا فيها لها ثمنُ
يا من نُعِيتُ على بُعْدٍ بمجلسهِ
كُلٌّ بما زعم الناعون مُرتَهَنُ
كم قد قُتِلْتُ وكم قد مِتُ عِنْدَكُمُ
ثم انتفضت فزال القبرُ والكفنُ
يحكي الهاشمي في جواهر الأدب أن عائشة التيمورية الشاعرة الأديبة كانت لها بنت ربيت في بيت العز والدلال، قد جمع الله لها جمال الخلق وسمو الخلق، فياضة الأنوثة، ساحرة الطرف، بليغة النطق ، مهذبة الحواشي، ما رآها أحد إلا أحبها، وفجأة أصابها مرض مفاجىء فما لبثت أن ماتت وهي بنت ثماني عشرة سنة، وروعت الصدمة كل من شاهدها وعرفها، وذهلت أمها ورثتها بقصائد تبكي الصخر وتحرك الجماد، لعلك تريد أن تقف على شيء منها:
لبست ثياب السقم في صغر وقد *** ذاقت شراب الموت وهو مرير
جاء الطبيب ضحى وبشر بالشفا *** إن الطبيب بطبه مغرور
وصف التجرع وهو يزعم أنه *** بالبرء من كل السقام بشير
فتنفست للحزن قائلة له *** عجل ببرئي حيث أنت خبير
وارحم شبابي إن والدتي غدت *** ثكلى يشير لها الجوى وتشير
لما رأت يأس الطبيب وعجزه *** قالت ودمع المقلتين غزير
أماه قد كل الطبيب وفاتني *** مما أؤمل في الحياة نصير
أماه قد عز اللقاء وفي غد *** سترين نعشي كالعروس يسير
وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي *** هو منزلي وله الجموع تصير
قولي لرب اللحد رفقا بابنتي *** جاءت عروساً ساقها التقدير
وتجلدي بإزاء لحدي برهة *** فتراك روح راعها المقدور