تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- غزوة قرقرة الكدر، ويقال: قرارة الكدر

1621- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرقرة الكدر, ويقال: قرارة الكدر، للنصف من المحرم, على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره, وهي بناحية معدن بني سليم, قريب من الأرحضية, وراء سد معونة، وبين المعدن وبين المدينة ثمانية برد، وكان الذي حمل لواءه، صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب, واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، فكان بلغه أن بهذا الموضع جمعا من سليم وغطفان، فسار إليهم, فلم يجد في المجال أحدا, وأرسل نفرا من أصحابه في أعلى الوادي, واستقبلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطن الوادي, فوجد رعاء فيهم غلام يقال له: يسار، فسأله عن الناس؟ فقال: لا علم لي بهم، إنما أورد لخمس, وهذا يوم ربعي, والناس قد ارتفعوا إلى المياه, ونحن عزاب في النعم, فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ظفر بالنعم, فانحدر به إلى المدينة فاقتسموا غنائمهم بصرار، على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت النعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسه, وقسم أربعة أخماس على المسلمين, فأصاب كل رجل منهم بعيران, وكانوا مئتي رجل, وصار يسار في سهم النبي صلى الله عليه وسلم, فأعتقه, وذلك أنه رآه يصلي. وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة.

- سرية قتل كعب بن الأشرف

1622- ثم سرية قتل كعب بن الأشرف اليهودي, وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان سبب قتله, أنه كان رجلا شاعرا يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, ويحرض عليهم ويؤذيهم، فلما كانت وقعة بدر, كبت وذل, وقال: بطن الأرض خير من ظهرها اليوم، فخرج حتى قدم مكة, فبكى قتلى قريش, وحرضهم بالشعر, ثم قدم المدينة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار، وقال أيضا: من لي بابن الأشرف فقد آذاني؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا به يا رسول الله, وأنا أقتله، فقال: افعل وشاور سعد بن معاذ في أمره, واجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس, منهم عباد بن بشر وأبو نائلة سلكان بن سلامة, والحارث بن أوس بن معاذ, وأبو عبس بن جبر، فقالوا: يا رسول الله, نحن نقتله, فأذن لنا فلنقل، فقال: قولوا, وكان أبو نائلة أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة, فخرج إليه، فأنكره كعب وذعر منه، فقال: أنا أبو نائلة, إنما جئت أخبرك أن قدوم هذا الرجل كان علينا من البلاء، حاربتنا العرب, ورمتنا عن قوس واحدة, ونحن نريد التنحي منه، ومعي رجال من قومي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعاما وتمرا, ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة، فسكن إلى قوله, وقال: جئ بهم متى شئت، فخرج من عنده على ميعاد،

فأتى أصحابه, فأخبرهم, فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه, فمشى معهم حتى أتى البقيع, ثم وجههم، وقال: امضوا على بركة الله وعونه، قال: وفي ليلة مقمرة, فمضوا حتى انتهوا إلى حصنه, فهتف له أبو نائلة, فوثب, فأخذت امرأته بملحفته, وقالت: أين تذهب؟ إنك رجل محارب, وكان حديث عهد بعرس، قال: ميعاد علي, وإنما هو أخي أبو نائلة, وضرب بيده الملحفة، وقال: لو دعي الفتى لطعنة أجاب، ثم نزل إليهم فحادثوه ساعة, حتى انبسط إليهم وأنس بهم, ثم أدخل أبو نائلة يده في شعره, وأخذ بقرون رأسه، وقال لأصحابه: اقتلوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم، فالتفت عليه, فلم تغن شيئا, ورد بعضها بعضا, ولصق بأبي نائلة.

قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا كان في سيفي, فانتزعته فوضعته في سرته، ثم تحاملت عليه فقططته, حتى انتهى إلى عانته, فصاح عدو الله صيحة ما بقي أطم من آطام يهود إلا أوقدت عليه نار, ثم حزوا رأسه وحملوه معهم, فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا, وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي, فلما سمع تكبيرهم كبر وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفلحت الوجوه, فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه, فحمد الله على قتله، فلما أصبح قال: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فخافت اليهود, فلم يطلع منهم أحد ولم ينطقوا، وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف.

الطبقات الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبقات الكبرىج ٢ · ص ٢٨