المعنى } إذا كان هناك في الحضر من يستطيبون الفالوذج والبسطيلة وهما ما هما أناقة والتذاذا وجمعا لما كان معهودا أن يفرق عند أكله ، فإن عندي أنا أيها البدويّ القحّ عصيدة من الذرة البيضاء وهي أولى وأوفق بالأمزجة لسذاجتها ولكون لذتها طبيعية لم تدخلها يد الصنعة ومن قر عينا بعيشه نفعه:
نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راض والرأي مختلف
ثم قال:
وقد برئَت من كل زور ولم يطُف
على متنها ([98]) الوضاءِ طاهٍ يُزَوِّق
طاف الشيء يطوف دار حوله أوزاوله وعالجه وهذا هو المقصود هنا . ومتن كل شيء ظهره وقد تقدم . والوضاء كثير الإضاءة . والطاهي الطابخ طهي اللحم يطهاه وطهاه يطهوه طَهْوًا وطُهُوًا وطُهِيًا وطهاية عالجه بالطبخ ، والطاهي الطباخ وكل معالج للطعام . والتزويق معروف حتى في الشلحة وهي عربية فصحى : زيَّنه وحسَّنه .
﴿المعنى﴾ إن هذه العصيدة أفضل وأعلى من البسطيلة ، وآية ذلك أنها بريئة من الزور الذي يعالج به الطَّباخ البسطيلة فيستعير حلاوتها من غيرها . كما أنه يعالج ظاهرها بتزويق وتزيين لعلها تكتسب بذلك زينة وأين هذه المعالجة بهذا التزوير والتزويق وإدخال التحسينات من هذه العصيدة التي بلغت النهاية في الحلاوة وحسن الذوق والغاية القصوى في الوضاءة فلا يحتاج وجهها المستنير إلى ما يستعير منه حسنا ففاقت البسطيلة من ذوقها العجيب ومن طلاوة محيَّاها الأبيض بنفسه من غير ذرور السكر كما يرى على وجه البسطيلة التي غدت كامرأة تستعير جمال وجهها مما تجعله عليها .
وما الحليُ إلا زينة لنقيصة
يُتَمِّم من حُسْن إذا الحس قصرا
وأما إذا كان الجمال موفَّرا
كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا
ثم قال:
فجاءت بما لم يأت فيما أتى به الـ
ـمُقنَّع فيما قاله والمُحَلِّق
الضمير في جاءت إلى العصيدة والمقنع الكندي شاعر جاهلي كان قال من أول قصيدة:
يلومونني في الدَّين قومي وإنما
ديوني في أشياء تكسبهم حمدا