المعنى } إنني حين أغسل يديّ متهيئا إلى الجفنة، أنفض يدي كما يفعله العجلان الذي لا يتسع وقته للفضول ،فلا ألتفت إلى الفوطة المعهودة أن يمسح بها الغاسل يده لأن همّتي متعلقة بتلك الجفنة وأنا جميعي منجذب حتى لا يستميل بصري دونها وأمر النهمين أعجل من ذلك. ثم قال:
وهل يذكر الإنسان أمثالها سوى
إذا لم يكن أمر حواليه مرهق
أرهقه الأمر أعجله وحمله على السرعة إلى الشيء فيحمله ذلك على تخطي غيره ،تقول أرهقت فلانا عن كذا إذا أعجلته عنه، وقد تقدم معنى الكلمة.
﴿المعنى ﴾ إنني حين أتخطى الفوطة وأنساها بعد الغسل معذور كل العذر، لأن الفوطة للغاسل إنما المسح بها من الكماليات فقط .والإنسان لا يرد باله إلى الكماليات إلا إذا اتسع له الوقت ولم يكن على عجلة إلى أمر لابد منه . ثم قال:
وأما إذا الإرهاق يغري([77]) فربما
تخطى الشجاع الدّرع إذ يتدلق
أغراه على الشيء حرشه إليه وحمله ونشطه إلى الإقدام عليه وتخطى فلان الشيء إذا تجاوزه بخطاه تاركا له وتدلق السيل اندفع .
﴿المعنى ﴾ إن العجلة إذا استولت على الإنسان بشيء اضطره إلى المضي بكل إسراع تنسيه كل شيء ،فلذلك أنا أنسى الفوطة بعد الغسل لانطلاق همي إلى الجفنة .أوَلا ترى الشجاع الباسل الذي يعرف كيف يدخل المعمعة بالاحتياط والحزم ،قد ينسى بالعجلة درعه التي لابد له منها حين يندفع بسرعة لإصراخ مستغيث ،وذلك أن المُقدِم يسمى شجاعا إلا إذا كان يأخذ بالحزم ومن الحزم عدم مفارقته لدرعه وإلا سمي متهورا. ومع هذا فإنه يعذر متى أعجله معجل عن درعه. وكذلك أنا أعذر حين أعجل عن المسح بالفوطة وبهذا البيت مبنى على قبله كبعض الأبيات المتقدمة حين يبنى معنى بعضها على ما قبل. ثم قال :
وأُدني إليَّ القعب يطفح رائبا
كغَرْب مليء ماؤه متدفق([78])