وقد دفع السوسي لوصف هذه الثقافة وتسجيل مظاهرها شعوره بأنها في طريقها للتحول والاختفاء ، قال عن ذلك :" التحول في الهيأة الاجتماعية في غالب الأزمنة يعهد منه أن يتتابع ببطء حتى لا يكاد يفطن له إلا الألمعيون ؛ حتى جاء هذا العصر عصر الذرة والصورايخ ؛ فإذا بها تكاد تتحول من حال إلى حال في طرفة عين خصوصا في بعض الأقطار كقطرنا هذا الذي هجم عليه هذا العصر المسرع هجوما مباغتا فإذا به بين عشية وضحاها كأنما انقلب رأسا على عقب."([65])
الثريدة المناغية للعصيدة
لمحمد المختار السوسي
" ملحوظة "
للأدباء مسابقات في ميادين شتى يطلقون فيها أفراسهم ويفجِّرون فيها قرائحهم . قصد إطالة نفس الأدب في كل جهة ولإيجاد المتعة للنفس الأدبية أينما كانت متوجهة فلذلك كانت لهم الموائد الحافلة والمطاعم المتنوعة حلبات أنضوا في أوصافها المتنوعة قوافي، وأرسلوا فيها عيون الخيالات الشتى فمن قرأ كتب الأدب للمتقدمين يجد في " اليتيمة" للثعالبي وفي " مروج الذهب" للمسعودي وفي غيرها قطعا أو قصائد كبيرة في وصف أنواع من المأكولات أو المشروبات . فذلك هو ما حدا بي الى وصف العصيدة بهذه القصيدة ، لعله يكون لها ذكر بين ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين خصوصا إن كانت من الذرة البيضاء الغريقة في الزبدة المصفاة .
بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
الحمد لله الذي فنن لنا العلوم فجعلها طرائق قددا. ووضع علم الأدب على منصة لن يتزحزح عنها أبدا. والصلاة والسلام على الذي قال : " إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا" . وعلى آله الذين كان كل واحد منهم في حفظ الأشعار العربية بحرا. وعلى أزواجه خصوصا منهن عائشة التي كانت فيما رواه عروة بن الزبير أكثر الناس استحضارا للقوافي وعلى أصحابه الذين كان من عادتهم إن ملوا من مدارسة السنة والقرآن أن يميلوا من مدارسة أشعار العرب إلى المنهل الصافي.